فهرس الكتاب

الصفحة 6840 من 9994

#معركة القادسية ... ...

هيثم جواد الحداد ... ...

ملخص الخطبة ... ...

1-الحديث عن انتصارات المسلمين السابقة في ظل الهزيمة والذل الحال. 2- خطر فقد الأمة الثقة بالنصر واستسلامها للهزيمة. 3- عمر يبحث عن قائد للمسلمين في القادسية. 4- خروج سعد ووصاة عمر له. 5- وفود المسلمين في بلاط يزدجر وكسرى ورستم. 6- بعض ما جرى في معركة القادسية. 7- البشارة بالنصر المؤزر. ... ...

الخطبة الأولى ... ...

وبعد:

أيها المسلمون، فحينما يرى المسلم ذو القلب الحي بعينيه، ويسمع بأذنيه ما يجري الآن على أرض فلسطين، من قتل بأبشع الطرق، وإذلال للإنسان على يد أحقر الخلق، واستخفاف بالأعراض، وغطرسة همجية، وأسر وسجن وتعذيب للصغير والكبير، وقد رأى قبل أشهر ما حل في أفغانستان وكيف استأسدت الدول المتغطرسة على إخوان لنا ضعاف، فصبت عليهم من جحيم قنابلهم ما يفوق الوصف، ثم يجول بخاطره وهو يسمع هذه الأيام عن مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص من المسلمين في الهند على يد أراذل الهندوس بطريقة لا تقل بشاعة عن الطريقة اليهودية في القتل حيث أحرق كثير منهم وهم أحياء.

أنادي أمة علمت بدائي ولكن لم يحرّكها ندائي

كأني والعدا تقتات لحمي وتشرب بالتذاذ من دمائي

بلا حام يذد عني بلاها ويغضب لي ويبكي من بكائي

مصابي آلم الأحجار حزناً وناحت منه أقطار السماء

فهل صُمت مسامعهم وماتت ضمائرهم، فما أحسوا ابتلائي

إذا تذكر الإنسان وتذكر... يكاد يصاب بغصة في حلقة، تحيل حياته إلى جحيم لا يطاق، وتلبسه نظارة سوداء لا يرى فيها إلا السواد أمام ناظريه، وتحيل تفاؤله إلى يأس قاتل، ثم يستولي عليه الشيطان فيجعله حبيس آهات حسرات، وأنات ذكريات، ويسلب منه الثقة بنفسه وبدينه وبوعد الله جل وعلا.

عباد الله، هذان الخنجران هما أخطر ما يواجه أمة من الأمم، وليس أخطر ما يواجهها قتل أبنائها ولو سالت دماؤهم أنهاراً، وبني من جماجمهم أهراماً، وليس أخطر ما يواجهها أن تسلب أرضها أو تدمر حضارتها.

خنجران هما الذان ينحران الأمة، ويجهزان على حياتها، ويزهقان روحها:

أولهما: أن تسلب منها الثقة بما تعتقد وتدين وتعيش من أجله، وتقاتل من أجله، وتموت من أجله، فتفقد ثقتها بنفسها قبل كل شيء.

حينما تفقد ثقتها بوعد الله: كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21] .

فإنها تطعن نفسها بخنجر في سويداء قلبها.

ثانيهما: أن يقعد أفراد الأمة عن العمل الدؤوب لنصر عقيدتهم ومبادئهم التي يؤمنون بها، سواء كان قعودهم ذلك نتيجة آهات الحسرة، وبكاء على الماضي، ونوحاً على الحاضر، أو كان نتيجة رضى الأمة بالدون، وقبولها بالهوان.

وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الاْحْزَابَ قَالُواْ هَاذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً لّيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب:22-24] .

ومهما يكن من أمر فإن القعود وترك العمل هو خنجر يجهز على حياة الأمة، إن أخطأها الخنجر الأول، وإن كان الأول قد أصابها فإن هذا الثاني يسرع في إزهاق روحها والفتك بها.

أمة الإسلام، في هذه الخطبة سنتحدث عن سبيل من سبل حماية الأمة من خنجر فقد الثقة بالنفس الناتج عن فقد الأمة لثقتها بدينها وعقيدتها.

وحتى نثبت الثقة بالنفس، ونطرد شبح اليأس، لا بد من معرفة حقيقة هذه الأمة، هل هي أمة ذليلة في كل مراحل حياتها؟ هل عاشت هذه الأمة قرينة الهزائم؟ هل كان لهذه الأمة مجد تليد؟ هل ما تمر به هذه الأمة أزمة عابرة، لا تلبث أن يعقبها انبلاج فجر جديد؟

هذه الأسئلة لا تلبث أن تتلاشى إذا ما ألقى الإنسان نظرة عابرة على تاريخ هذه الأمة المجيد، هذا التاريخ الذي يبعث في المسلم التفاؤل، ويخلصه من أوهام الخوف، ويهز فيه الحنين للسؤدد والمجد، فيحرك فيه التمرد على الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة، وهذا ما يخشاه أعداؤها كل الخشية.

أعداء هذه الأمة يريدون الناشئة أن تدرس تاريخ الفراعنة والآشوريين، والبابلين والفينيقين، أو يدرسون تاريخ الأسر التي حكمت بعض البلاد.

ويريدوننا أن نطوي في صفحات النسيان تاريخ العظماء، لا يريدوننا أن نعرف خالد بن الوليد، ولا سعد بن أبي وقاص، ولا الفاروق عمر، يريدون جيلاً، بل أجيالاً تجهل عدل عمر بن عبد العزيز، وقوة أحمد بن حنبل، ونجدة المعتصم، وفتوحات صلاح الدين قاهر الصليبين، يريدون أن تجتث الأمة من أمجاد قاهر التتار، وفاتح القسطنطينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت