أيها المؤمنون بالله مَنْ هم أدعياء تحرير المرأة؟ وما تاريخهم؟ ما الذي قدمه هؤلاء للأمة حتى يوثق بهم وبما يقولون ويدعون؟ إن جانباً من نتاج هؤلاء كاف في إسقاط عدالتهم والثقة بهم، فالمتتبع لكتابات هؤلاء يجد فيها الهمز والتشكيك بأحكام الشريعة وآداب الإسلام تحت مسمى (نبذ التقاليد البالية ) يجد فيها التلميح والتصريح بالدعوة إلى تقليد الأمم الغربية وأنه لا تقدم ولا رقي إلا بمسايرة أمم الكفر ?يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ? (15) بعبارات برّاقة فضفاضة يدسون فيها السم ?يُوحي بَعْضهُمْ إِلى بَعضٍ زُخرُفَ الْقوْلِ غُرُوراً? (16) .
أيها المؤمنون إن دعاة تحرير المرأة يقولون: المرأة المسلمة في البلاد السعودية المباركة امرأة مهيضة الجناح مسلوبة الحقوق مصادرة الإرادة مهمشة الدور لا وزن لها في المجتمع ولا أثر، هذه دعواهم بهتاناً وزوراً تضليلاً وتلبيساً يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون.
فما حل هذه المشكلة أيها المؤمنون في نظر هؤلاء؟ إن الحل عند دعاة التحرر أن تَهُبَّ المرأة من سباتها وتنزع حجابها الذي عطلها وألغى دورها؛ إن الحل عند أولئك أن تنخلع المرأة من حيائها فتخالط الرجال الأجانب؛ فعدم الاختلاط شذوذ وانحراف؛ إن الحل عند هؤلاء أن تقوم الخصومة والمنازعة المريرة بين رجال المجتمع ونسائه؛ هذه حلولهم وأطروحاتهم، مهما حاولوا إخفاء وجهها القبيح، خابوا وخسروا فالله جل في علاه لا يصلح عمل المفسدين.
أيها المؤمنون أما نتيجة هذا السعي المشؤوم فلسنا والله سعداء بأن نراه في بلادنا الحبيبة الغالية كيف وقد شرق به أهله ومن سار في ركابهم، فالسعيد من وعظ بغيره فحديث الإحصاءات والدارسات عما تعانيه المجتمعات الغربية من دمار ووبال من كثرة الزنى ورواج البغاء وتفكك الأسرة وانخفاض نسبة الزواج وارتفاع معدلات الطلاق وكثرة الخيانة وأولاد الزنى واللقطاء وشيوع الأمراض بأنواعها النفسية والعصبية والبدنية كاف عن خوض غمار هذا المستنقع الآسن، ولو أنك سألت أحد هؤلاء الأدعياء هداهم الله وكفى المسلمين شرهم: ما النموذج الأمثل الذي تقدمه للمرأة السعودية؟ لم تجد عنده إلا نموذج المرأة الغربية المطحونة الغارقة في حمأة الرذيلة التي تتلمس من ينقذها وينتشلها لا من يتأسى بها.
أيها المؤمنون إن قضية المرأة قضية كبرى تحتاج إلى عناية فائقة ورعاية تامة ومعالجة منبثقة من هدي كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح وإن أي معالجة لقضية المرأة من غير هذا السبيل إنما هي وهم وضلال فاتقوا الله عباد الله، استمسكوا بالعروة الوثقى، و احذروا هؤلاء المرجفين المشككين: ?إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً? (17) .
(1) النساء:1.
(2) النحل:43.
(3) النور:50.
(4) الملك:14.
(5) فصلت:46.
(6) النساء:65
(7) أخرجه مسلم في الحج من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه (رقم 1218) .
(8) التوبة:71
(9) آل عمران:195.
(10) أخرجه الترمذي في المناقب (رقم 3895) من حديث عائشة، وأخرجه ابن ماجه في النكاح (رقم 1977) من حديث ابن عباس .
(11) الذاريات: 56.
(12) الحجرات:13.
(13) غافر:40.
(14) المائدة:3.
(15) النساء:108.
(16) الأنعام:112.
(17) الإسراء:9-10.
الخطبة الأولى
أما بعد. .
فيا أيها الناس اتقوا الله فإن سعادة الدنيا ونعيم الآخرة تنال بصلاح القلوب وانشراحها وزوال همومها وغمومها.
أيها المؤمنون، إن أعظم ما تنشرح به صدور العالمين ما ذكره الله رب الأولين والآخرين في محكم التنزيل: ? فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ? (1) فالإسلام أعظم ما يشرح الله به الصدر، فبقدر التزام العبد به يحصل من البهجة والسرور، فالزموا طاعة الله وطاعة رسوله تدركوا هذا المطلوب، أقيموا أركانه، واحفظوا شرائعه وحدوده يشرح الله صدوركم وينير قلوبكم.
أيها المؤمنون إن من أعظم أسباب شرح الصدر اللهج بذكر الله تعالى وترطيب اللسان على الدوام بذلك ?أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ? (2) فإذا أكثر العبد ذكر ربه انفسح له صدره وانشرحت نفسه وأقبل على الخيرات وانصرف عن السيئات، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي ! فأخبرني بشيء أتشبث به. فقال صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ) ) (3) وفي صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم: (( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ) ) (4) فاذكروا الله كثيراً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.
أيها المؤمنون إن من أسباب انشراح الصدر الإحسان إلى الخلق، والسعي في نفعهم بالمال أو الجاه أو البدن أو بغير ذلك من أنواع الإحسان فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدراً وأطيبهم نفساً وأنعمهم قلباً أما الذي يحبس الخير عن الناس ويمنعهم منه فإنه أضيق الناس صدراً وأنغصهم عيشاً وأعظمهم هماً وغماً فأحسنوا أيها الناس و (( لا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ) ) (5) .
أيها المؤمنون إن من أسباب انشراح الصدر العلم بالكتاب والسنة فإن العلم الشرعي يشرح الصدر ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع قال الله تعالى: ?أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا? (6) فأقبلوا أيها المؤمنون على كتاب الله وسنة رسوله فإن فيهما الخير والهدى والبر والتقى والسعادة في الآخرة والأولى.
أيها المؤمنون إن من أسباب انشراح الصدر الإنابة إلى الله تعالى ومحبته والإقبال عليه والتوبة إليه فإنه لا شيء أشرح لصدر العبد من هذا وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنجاه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ) ) (7) .
أيها المؤمنون إن من أسباب انشراح الصدر إتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر كله فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم
الخطبة الثانية
أما بعد. .
أيها المؤمنون اتقوا الله ربكم واستكثروا من الأعمال الصالحة قبل نزول الآجال وانقطاع الأعمال سابقوا ـ أيها المؤمنون ـ إلى الخيرات وبادروا إلى الطاعات واعزموا عليها ففي الصحيحين من حديث عائشة أنها قالت تخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان ) )فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر الصيام في هذه الأيام فأكثروا من صيامها أيها الناس ما استطعتم فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك تمرين لكم على الصيام فصيام شعبان بمنزلة الراتبة للفريضة تعين عليها وتسهلها.