الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ...
ونحن نعيش هذه الظروف العصيبة ، والتكالب الرهيب ، والعدوان الظالم نحتاج إلى مثل هذه الوقفات والحق أن الخواطر كثيرة ، وأن المشاعر متداخلة وأن الواجبات والمواقف والتنبيه والتوجيه حاجتنا إليه ماسة ومتشعبة ، وحسبنا - بمشيئة الله تعالى - أن نذكر هنا ما عسى أن يكون الأهم فالأهم ، وما سأذكره إنما أذكر خلاصته وأسسه معرضا عن كثير من التفاصيل والتشعبات التي يستحق معها كل قسم من أقسام حديثنا وموضوعنا أن يفرد في محاضرة خاصة به ، ولعلي أشير الإشارات التي ألخص بها ما سيأتي في حديثنا بعون الله:
سنبدأ بوقفة مع حقيقة الإيمان ، ثم نعرج على أثر الإيمان بالأمن والأمان ، وننتهي ونخلص إلى أثر الإيمان والأمان في مواجهة العدوان .
حقيقة الإيمان:
أمره مهم وعظيم ؛ لأن قضية الإيمان هي القضية الكبرى والمسألة العظمى في حياة البشرية كلها .. قضية الإيمان لأجلها خلق الله الخلق ، وخلق السماوات والأرض ، وأنزل الكتب ، وأرسل الرسل ، ونصب الموازين ، وجعل الحساب والثواب والعقاب ، وخلق الجنة والنار .. قضية الإيمان هي قضية الوجود الدنيوي وما بعد الوجود الدنيوي .. هي قضية الحياة الدنيا وما وراءها في الحياة الأخرى .. هي قضية تتعلق بالإنسان في أعماق نفسه ، وسويداء قلبه ، وخواطر عقله ، وكلمات لسانه ، وأفعال جوارحه ، وطموحات نفسه ، تتناول الإنسان في علاقاته وصلاته ومعاملاته وتشريعاته ، تتناول الإنسان في سائر جوانب حياته المختلفة ، وفي سائر ظروف وتقلبات حياته وأحواله المتنوعة ، ومن ثم فإنه القضية الكبرى التي لابد من العناية بها ، والتذكير بها ، والتعلم لحقائقها ، والتذكير بثوابتها ، والإشاعة لمعانيها ، والتقوية لها في النفوس والقلوب ؛ لأنها هي محور الحياة وجوهرها .
وكما قلت لعل هذا يكون كذلك موضوعا كاملا قائما برأسه ولكنا نشير إلى المهم منه:
الإيمان ليس مجرد نطق اللسان وإعلان الشهادة وحده فحسب ؛ فإن الله - جل وعلا - قد نفى ذلك بقوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } [البقرة:8 ] ، فأثبت إعلانهم للإيمان ونفى حقيقته عنهم .
وليس الإيمان كذلك هو قناعة العقل بصحة البرهان وقوة الحجة على وجود الله أو وحدانيته ؛ فإن ذلك قد كان ظاهراً جلياً لكفار قريش لم يكن عندهم شك في صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن عندهم نقص في البراهين والأدلة على ثبوت نبوته ، ومع ذلك كفروا وجحدوا ، وقد أخبر الحق - سبحانه وتعالى - بذلك فقال: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } [ النمل: من الآية14] ، قد كانت الحقائق عندهم في درجة اليقين من حيث وضوح الأدلة ومن حيث قيام الحجة ومع ذلك جحدوا ، والجحد هو الإنكار بعد المعرفة ، لماذا ظلما وعلوا ؟ وقال سبحانه وتعالى: { فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } [ الأنعام: من الآية33 ] ، وقصها وبينها أبو جهل عليه لعنة الله عندما قال:"كنا نتنافس وبنو هاشم الشرف والسيادة ؛ فإن كانت لهم سقاية كانت لنا رفادة ، وإن كان لهم كذا كان لنا كذا ، حتى إذا تساوينا وتجاثينا على الركب قالوا: منا نبي فمن أين لنا بنبي ؟ فوالله لا نصدقه الدهر كله".
فليست القضية مجرد قناعة العقل ولا تسليم القلب بصدق أو بحقيقة هذه المعرفة الإنسانية .
وليس الإيمان كذلك هو مجرد العمل أو القيام بأداء الفرائض وحدها مجردا ؛ فإن المنافقين - كما نعلم -خلت قلوبهم من الإيمان ، قال تعالى: { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } [ الفتح: 11] ، ويشاركون أهل الإيمان في صلاتهم ، وربما يخرجون أموالاً من زكاة وغير ذلك ، ونفى الله - سبحانه وتعالى - عنهم الإيمان كما بينت آياته - جل وعلا - في مثل قوله سبحانه وتعالى: { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلا } [ النساء: من الآية142 ] .
وأخبر - سبحانه وتعالى - أنهم يتخذون ما ينفقون مغرماً إلى غير ذلك مما هو معلوم .
فإذا لم يكن الإيمان نطق اللسان ، وإذا لم يكن هو اعتقاد الجنان وحده ، ولم يكن هو عمل الأركان فما هو ؟!.
إنه مجموع ذلك كله ، ومن ثم قال أهل العلم في تعريفه أنه:"اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان".