فهرس الكتاب

الصفحة 539 من 9994

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله صلى الله عليه وسلم ..

أما بعد..

لقد كان ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بشرى عظيمة للبشرية التي ظلت فترة طويلة ترزح في غياهيب الشرك ودياجير الجهل ، وأوحال الجاهلية ، إذ أخرج تعالى به صلى الله عليه وسلم البشرية من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الفرقة والشتات إلى الألفة والاجتماع ، ونحن في درسنا هذا إن شاء الله نعيش مع قصة ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما زامنها من أحداث .

عام الفيل:

كان أبرهة الأشرم رمزًا من رموز الكفر والمحادة لله عز وجل وطاغية من طغاة البشر ، بنى كنيسته المسماة بـ ( القليس ) بصنعاء فلم ير مثلها في زمانها ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب، و تحدثت العرب بكتاب أبرهة هذا إلى النجاشي، فغضب رجل من النسأة ، من بني كنانة ، فخرج الكناني حتى أتى القليس فقعد فيها قال ابن هشام: يعني أحدث فيها.

ثم خرج ولحق بأرضه ، فلما أخبر بذلك إبرهة قال: من صنع هذا؟ فقيل له: صنع هذا رجل من العرب من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة لما سمع قولك أنك ستصرف إليها حج العرب ، غضب فجاء،فقعد فيها، يريد أنها ليست لذلك أهل. فاستشاط عند ذلك غضب أبرهة وحلف: ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه وأمر بالحبشة ، فتهيأت وتجهزت، ثم سار وأخرج معه الفيلة، التي لم تعهدها العرب في الحروب من قبل ، وتسامع بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به، ورأو أن جهاده حقًا عليهم، فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، ودعا قومه ، ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام ولكنه هزم، وأخذ أسيرًا إلى أبرهة ، وواصل أبرهة سيره ،حتى إذا كان بأرض خثعم ، عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي ، في قبيلتي خثعم: شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب ، فقاتله فهزمه أبرهة وأُخذ له نفيل أسيرًا ، فلما نزل إبرهة المغمس ، بعث رجلًا من الحبشة يقال له: الأسود بن مقصود على خيل له ، حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم ،وهو يومئذ كبير قريش وسيدها،وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة ، وقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفها، ثم قل له: إن الملك يقول لك: إني لم آت لحربكم ، إنما جئت لأهدم هذا البيت ، فإن لم تتعرضوا دونه بحرب ، فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به، فلما دخل حناطة مكة ، سأل عن سيد قريش وشريفها؟ فقيل له: عبد المطلب بن هاشم ، فجاءه فقال له: ما أمره به أبرهة ، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، وهذا بيت الله وحرمه فإن يمنعه منه ، فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة: فانطلق معي إليه ، فإنه قد أمرني أن آتيه بك .

فانطلق معه عبد المطلب حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان له صديقًا وأراد منه أن يكلم إبرهة فيه، فاعتذر ذو نفر وقال: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوًا أو عشيًا؟ ما عندنا غناء في شيء مما نزل بك إلا أنيسًا سائس الفيل صديق لي: فقال: حسبي. فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال: إن عبد المطلب سيد قريش، وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رؤوس الجبال ، وقد أصاب له الملك مائتي بعير ، فاستأذن عليه وانفعه عنده بما استطعت ، فقال: أفعل . فكلم أنيس أبرهة بذلك، قال: وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم ، فلما رآه إبرهة أجله وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه ، فنزل أبرهة عن سريره ، فجلس على بساطه ، وأجلسه معه عليه إلى جنبه ، ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك ؟ فقال له الترجمان ذلك . فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي . فلما قال له ذلك قال إبرهة لترجمانه قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتين بعير أصبناها لك ، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه ؟! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربًا يمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني . قال: أنت وذاك . فلما انصرف عنه، انصرف عبد المطلب إلى قريش ، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفًا عليهم من معرة الجيش ، ثم قام عبد المطلب، فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ، ويستنصرونه على أبرهة وجنده ، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:

لاهم1إن العبد يمنع *** رحله فامنع حلالك

لا يغلبن صليبهم *** ومحالهم غدوًا محالك

إن كنت تاركهم وقبـ *** ـلتنا فأمر ما بدالك

قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها ، فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة ،وهيأ فيله وعبي جيشة ، فلما وجهوا إلى الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل ثم أخذ بإذنه فقال: أبرك محمود -اسم الفيل- أو ارجع راشدًا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام ، ثم أرسل أذنه . فبرك الفيل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين، ليقم فأبى ، فوجهوه إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ،ووجهوه إلى مكة فبرك ، فأرسل الله تعالى عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك فلما رآهم نفيل قال:

أين المفر والإله الطالب *** والأشرم المغلوب ليس الغالب

فخرجوا يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون بكل مهلك. قال ابن إسحاق: فلما بعث الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم ,كان مما يعدد سبحانه على قريش من نعمته عليهم وفضله، ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال الله تبارك وتعالى { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول } سورة الفيل وقال تعالى { لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } سورة قريش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت