فهرس الكتاب

الصفحة 8739 من 9994

وأشجبُ صمتكم وأقولُ إني براءٌ من عميل أو خؤون

ففي أعيادكم لعبٌ وحلوى وألوانُ المعازفِ والمجون

وفي فلوجةِ الأبطالِ قتلٌ وحربٌ للصليب تجاهَ ديني

هل نتحدثُ يا مسلمون عن الحضارة الغربية المزيفة، والمدنيةِ الغربية الكاذبة، والتي يُمجدها المستغربون، ويغني لها المنهزمون ، والتي ظهرت معالمُها على أرض العراق ، هدماً للبيوت على العزَّل، وإجهازاً على الجرحى، وتخريباً للمُدن وإهلاكاً للحرث والنسل، وتترساً بالأطفال الأبرياء، وانتهاكاً لحُرمات المساجد، وتمزيقاً للمصاحف، وإهداراً لكرامةِ الإنسان، هذه هي حضارتهم، وتلك حريتهم التي جاءوا يبشرون بها، فيا ليت المنافقين يعقلون .

هل نتحدثُ يا مسلمون عن الأسودِ المزمجرة، والصواعقِ المدمرة ، عن الرجالِ حقاً والأبطال صدقاً، والذين رسموا بدمائهم وصمودهم أجملَ لوحاتِ العزِّ والشرف، في زمنِ الضعف والوهن، والذين مرغوا وجهَ الصليبية، وأرغموا أنوف الحاقدين وأثبتوا للعالم أنَّ القوةَ قُوة الحقِّ، وأنَّ النصرَ مع الصبر، وأنَّ في أمةِ الإسلام (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) ) (الأحزاب: من الآية23) ، لا يلتفتون إلى الوراءِ، ولا ترهبهم قوةُ الأعداء ولا تثبطهم أقاويل المرجفة،

إنَّ ما يجري يا مسلمون على أرضِ العراق إنَّما هو نصرٌ وعز، ولو قُتل من قُتل، وجُرح من جُرح وأُسر من أسر، ولو سقطت مدنٌ، وخربت بيوتٌ، ليس النصر في ميزان الإسلام مدينة تفتح، أو بلدة تسرق، وإنَّما هو انتصارُ القيمِ والمبادئ، وارتفاعُ رايةَ الحقِّ .

إنَ الناسَ يُقصرون معنى النصر على صورةٍ معينة، معهودةٍ لهم قريبةَ الرؤيةِ لأعينهم ، ولكن صورُ النصر شتى، وقد يتلبس بعضها بصورة الهزيمةِ عند النظرة القصيرة .

إنَّ وعدَ اللهِ قاطعٌ جازم (( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا ) ) (غافر: من الآية51) .

بينما يُشاهدُ الناس أنَّ الرسلَ منهم من يُقتل ومنهم من يُهاجر من أرضهِ وقومهِ مكذباً مطروداً ، وأنَّ المؤمنين منهم من يسام العذاب، ومنهم من يُلقى في الأخدود ، ومنهم من يُستشهد، ومنهم من يعيشُ في كربٍ وشدةٍ واضطهاد، فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا ؟ إنَّ الناسَ يعيشون بظواهرِ الأمورِ، وبفترةٍ قصيرةٍ من الزمان، وحيزٍ محدودٍ من المكان ، وإنما النصرُ أوسع وأشمل ، وكم من شهيدٍ ما كان يملكُ أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عامٍ كما نصرها يوم استشهاده، وإنَّ أعظمَ أنواع النصر: النصرُ على الذات والشهوات ، والسيطرةُ على الأهواءِ والمغريات، إنَّ معركة الإسلام مع الصليبيةِ لا تتوقفُ عند حدِّ فتح مدينة، والسيطرة على موقع ، ولكنَّها حربٌ طويلة الأمد .

فنهايتها تحقيقُ الغاية التي ذكر الله، (( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ) (التوبة: من الآية29) وحتى تصل الأمة إلى هذه الغاية، فلا بُدَّ من تضحياتٍ وبذل، وإنَّ كلَّ نقطة دمٍ من نفسٍ مسلمةٍ زكية لن تضيعَ عند الله سُد ى، ولن تذهب هدراً ، وإنَّما هي خطوةٌ لطريقِ النصر، ووقودٌ لنارِ العزة، ومنارات لمعالمِ القبلةِ والفتحِ المبين، فتحُ مكة لم يكن وليد تخطيط شهرٍ أو سنةٍ، لكن نتاجَ كفاحٍ دامٍ ثلاثةَ عشر عاماً في مكة ، وهو ثمنُ دماءٍ أُريقت في بدرٍ وأحد، وجزاء نفوسٍ أُزهقت فداءً لدين الله .

فتحُ مكة لم يأت بارداً جاهزاً ، لكنهُ أتى تتويجاً لدم زكي، قد خرج من عقبي النبي- صلى الله عليه وسلم- وثمناً للبلاءِ والإيذاءِ الذي تعرض له المصطفى- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام .

فتحُ مكةَ رسمَ معالمهُ دمُ أبي عمار وزوجه سمية ، وخط خطوطهُ أنين بلال وعمار، وخبا بٌ وصهيب، تحت سياط العذاب .

فتح مكة جاءَ ليُعلن للناس أنَّ النصرَ عزيزٌ ولا بُد له من ثمن ، وليقولَ للناسِ اليوم ، لا تهنوا ولا تحزنوا، فإنَّ دماءً في العراق تُراق ، وأُخرى في أقطارٍ وآفاق، إنَّما هي ثمنٌ تُقدمهُ الأمة للنصر القادمِ القريبِ بإذن الله ، النصرُ نورٌ مرتقبٌ وقودي دماءِ الشهداء ودعوات الأتقياء، وأموال الأغنياء، وشروطهُ صبرٌ على البلاءِ وشكرٌ عند الرخاء، ووفاءٌ مع خالقِ الأرضِ والسماء، (( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) ) (الروم:5) .

وأخيراً ، وأرض العراق تشهدُ ملحمةً من ملاحمِ الإسلام، وتَبرزُ للعالم صورَ الغدرِ والخيانةِ العلقيمة ، وتُروي للعالم صورةَ الحضارةِ الأمريكية ، وأرض العراق تُدكُ على أهلها، وتهدم بيوتها فوق سكانها، فما أكثر الشامتين من كُتَّابٍ وغيرهم من يقولُ بلسان الحال، (( لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ) (آل عمران: من الآية168) ولن شغلنا أنفسنا بالحديث عن هؤلاءِ وإليهم وإنَّما نوجِّهُ لهم تحذيرَ اللهِ ووعيده، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ) (آل عمران:156) .

وأخيراً ، أيُّ دينٍ وأيُّ خيرٍ فيمن يرى محارمَ الله تُنتهك، وحدودهُ تُضاع، ودينهُ يُترك، وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- يرغب عنها ، وعبادهُ يُهانون، وهو باردُ القلبِ، ساكتُ اللسان، شيطانٌ أخرس، وهل يلينُ الدينُ إلاَّ من هؤلاءِ الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم ،فلا مبالاة بما جرى على الدين ، وخيارهم المتخرن المتلمظ ، وهؤلاءِ مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم، قد بلوا في الدنيا بأعظمِ بليةٍ تكون وهم لا يشعرون، وهو موتُ القلوب ، فإنَّ القلب كما كانت حياتُهُ أتم، كان غضب الله ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل .

فلا بُدَّ يا مسلمين من الشعورِ بواجبِ النُصرة لهذا الدين، كلٌّ بحسبه ومرتبتهِ من العلم والقدرة، والغني وغيرها .

تلكم يحيى بن معاد، يوماً في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالت له امرأته هذا واجبٌ قد وُضعَ عنَّا فقال ، هبي أنَّهُ قد وضُع عنَّا سلاح اليد فلم يُوضعُ عنا سلاح القلب، واللسان ، فقالت: صدقت جزاك الله خيراً

اللهم صل وسلم .

صالح بن عبد الله بن حميد

مكة المكرمة

المسجد الحرام

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

أثر الأخلاق على قوة الأمة أو ضعفها - بم تُنال الأخلاق , وما مقياسها ؟ - صيانة الأعراض والحرمات والغيرة عليها وأهميتها - انعدام الغيرة في قلوب الكثيرين اليوم ومظاهر ذلك ودلالته - دور الأسرة والبيئة في تنشئة النشء على الفضيلة والعفة , ودور رب الأسرة - غيرة الله سبحانه أن تنتهك محارمه

الخطبة الأولى

أما بعد:

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل وخشيته وطاعته وطاعة رسوله: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون [النور:52] .

أيها المسلمون: لا ترجع هزائم الأمم، ولا انتكاسات الشعوب إلى الضعف في قواها المادية ولا إلى النقص في معداتها الحربية.

من يظن هذا الظن ففكره قاصر ونظره سقيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت