فهرس الكتاب

الصفحة 7907 من 9994

والتوحيد هو المنجي للعبد يوم القيامة ، والإيمان بيوم القيامة وما يجري فيه هو من التوحيد ، والتذكير به تذكير بالتوحيد {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } الكهف49 والذي يرد الناس عن التوحيد والطاعة ، ويدفعهم إلى الشرك والمعاصي ؛ العدو الأول لبني آدم: الشيطان وجنده ، وهو من سن معصية الرب جل جلاله ، فغوى وهلك ، فمن اتبعه من بني آدم كان مصيره مصير الشيطان ، ومن كياسة الإنسان حذره منه ومن وساوسه ؛ لئلا يرديه {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً } الكهف50 والرسل عليهم السلام أرسلوا للتبشير بالتوحيد، والنذارة من الشرك ، ودحض حجج أهل الباطل الذين هم مستميتون في إزهاق الحق {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً } الكهف56 والرجال يعرفون بالحق ، ولا يعرف الحق بالرجال ،ومن أعطاه الله تعالى علما بتوحيده ودينه ، وما يوصل إليه ؛ وجب قبول الحق منه ، وحمل العلم عنه ، ولو كان من يتلقى عنه أعلى منزلة منه ، فالحق أعلى من الجميع ، وهذا ما حكته هذه السورة عن كليم الرحمن موسى عليه السلام ، في رحلته المشهورة ، لتلقي العلم وحمله عن عبد صالح لم يبلغ مبالغ الرسل عليهم السلام {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً } الكهف69 وفي قصة ذي القرنين ذلك الملك الصالح الذي ملك الدنيا ، فسخر ملكه في عبادة الله تعالى وطاعته، ومساعدة من يحتاج المساعدة بلا عوض إلا أنه يرجو الله تعالى ، ويقر بالفضل له سبحانه فقال للقوم الذين بني لهم سد يأجوج ومأجوج {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً } الكهف95أي: ما أعطاني من الملك والقوة خير مما تبذلون لي وتعطونني0

فلما أنجز بناءه نسب الفضل في ذلك لصاحب الفضل سبحانه ، وبين أن لهذا السد أجلا عند الله تعالى ، فقال رحمه الله تعالى {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً } الكهف98 أسأل الله تعالى أن يرزقنا التذكر والاعتبار، وأن يمن علينا بصلاح القلوب والأعمال إنه سميع مجيب، وأقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم 000

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين0

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ، وأخلصوا له الدين0

أيها المسلمون:وأوضحت لقارئها أن هذه الدنيا بكل ما فيها إلى زوال ، , وأن المكلفين يحاسبون يوم القيامة على أعمالهم {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً } الكهف99 وفي خاتمتها بيان لمصير الفريقين: الموحدين والمشركين ، أما المشركون فمصيرهم كما ذكر الله تعالى {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً* أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنا* ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً } الكهف106

إنها النهاية الأليمة التي تنتظرهم ، نعوذ بالله العظيم من حالهم ومآلهم ، بخلاف حال أهل الإيمان ، الذين يرتعون في نعيم الجنان {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } الكهف108 ومن توحيد الله تعالى:الإقرار بصفاته ، والإيمان بعظمته ، بحيث تصرف له القلوب كل تعظيم ومحبة ورجاء وخوف ؛ وهذا لا يتأتى إلا بمعرفته عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وفي أخريات هذه السورة بيان ذلك {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } الكهف109 ثم يأتي القارئ لهذه السورة العظيمة ، على الآية الأخيرة منها وهي تعوه إلى التوحيد وتحذره من الشرك {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } الكهف110 والعمل لا يكون صالحا حتى يكون خالصا لله تعالى، موافقا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم0وبهذا نعلم -أيها الإخوة- عظمة هذه السورة ، وحكمة من حكم تكرارها كل جمعة ؛ بل صح الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها تنجي صاحبها من الدجال ؛ كما روى مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قال من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال)

وفي حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم (فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف) رواه مسلم

زاد أبو داود: ( فإنها جواركم من فتنته)

وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فقال: (من قرأ سورة الكهف كما أنزلت ثم خرج إلى الدجال لم يسلط عليه أو لم يكن له عليه سبيل) رواه الحاكم وصححه

فاقرءوها - عباد الله - بتدبر، واتعظوا بمواعظها، وحركوا بها قلوبكم ، واعملوا بما فيها000وصلوا وسلموا000

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً .

أما بعد:

فيا أيها المسلمون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت