أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ، وأخلصوا له العمل ، وأقيموا له التوحيد ؛ فإن ذلك شرط النجاة من الخلود في العذاب ، وبلوغ الرحمة والجنان (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) البينة5.
أيها الناس: يوم الجمعة يوم عظيم عند الله تعالى، اختصه سبحانه بخصائص كثيرة ، وشرع فيه عبادات لم يشرعها في غيره ، ورتب عليها أجورا عظيمة ، لمن أداها مخلصا لله تعالى ، متبعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم0
ومن تلكم الخصائص: فضيلة قراءة سورة الكهف فيه ؛ كما جاء في الحديث: ( من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)
وفي رواية: ( من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق) روي مرفوعا وموقوفا من حديث أبي سعيد رضي الله عنه وصححه غير واحد من أهل العلم0
ومن نظر في سورة الكهف ، وتأمل آياتها ومعانيها ؛ علم أن من حكمة تكرارها في كل جمعة: التأكيد على العقيدة ، والتذكير بالتوحيد ، والتنويع في تقرير ذلك تارة بالقصة ، وبالموعظة الحسنة تارة أخرى ، مع بيان مصير المكلفين ، من فوز الموحدين ، وخسارة المشركين0
وذلك ظاهر في افتتاح هذه السورة العظيمة ؛ إذ ذكر الله تعالى مصير الفريقين بعد حمده سبحانه وتعالى على نعمة إنزال القرآن الذي هو مصدر الهداية والتوحيد (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ) الكهف1-2 فهما فريقان لا ثالث لهما ، فريق المؤمنين وفريق المشركين ، والتوفيق للهداية والإيمان بيد الرحيم الرحمن ، لا يملك ذلك أحد من الخلق ، لا نبيا ولا ملكا ولا عالما ولا داعيا إلى الهدى ، وإنما هم يدلون على الإيمان والتوحيد ، ويهدون إلى الصراط المستقيم ، والتوفيق بيد الله تعالى ، ولا ينبغي للداعية أن يأسف على ذلك أسفا يضره ويصيبه باليأس ؛ فإن ذلك تدبير الله تعالى وتقديره (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ) الكهف6 والأرض وما عليها تسخير من الله تعالى لعباده ، وهي محل الإبتلاء والإمتحان ، وميدان الصراع بين الحق والباطل ، وهي آيلة إلى الدمار والخراب والفناء مهما بلغ عمرانها ، واشتد بنيانها ؛ لأن الله تعالى قضى أنها دار عمل وامتحان وليست دار جزاء وقرار (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) الكهف7 وإذا كانت هذه السورة العظيمة قد افتتحت بهذا التقرير المهم للغاية من خلق البشر ، وإسكانهم الأرض ، وتسخير ما عليها لهم ، وهي توحيد الله تعالى وإقامة دينه ، فإن القصص المذكورة فيها تكرس تلك الغاية ، وتدل عليها 0
وأول قصة منها هي القصة التي سمية السورة بها: قصة أهل الكهف ، وهم قوم من الله تعالى عليهم بالإيمان فاعتزلوا قومهم المشركين ؛ فراراً بإيمانهم ، وحفاظاً على توحيدهم ، ولو كان في ذلك مفارقة الأهل والعشيرة {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطا ، هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً } الكهف15 كلام عظيم متين ، يعلن فيه أصحابه غايتهم ، ويصدعون بتوحيدهم ، وينتقدون شرك عشيرتهم، ولم يكتفوا بالقول بل أتبعوه بالعمل ، فاعتزلوا المشركين ؛ إنكاراً لشركهم ، وفراراً من فتنتهم ، وابتغاءً لسلامة توحيدهم ؛ فاستحقوا في الدنيا جزاء إيمانهم أن يكونوا آية من الآيات، وأعجوبة من أعاجيب التاريخ البشري ، يقرؤها كل مؤمن في كتاب يتلى إلى يوم القيامة {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً } الكهف16 وجعل سبحانه وتعالى ما جرى لهم من النوم في الكهف أكثر من ثلاثة قرون آية عظيمة ، ثم أكد سبحانه أن هداية من اهتدى من عباده منة ونعمة منه عز وجل {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } الكهف17 ثم يختم سبحانه هذه القصة العظيمة بأمر المؤمن أن يصبر نفسه مع أهل الإيمان ولو كانوا هم الأضعف ، وكان غيرهم أقوى {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } الكهف28 وما أحوج كل مسلم إلى تدبر هذه الآيات والعمل بها في هذه الزمن الذي يموج بأنواع من الفتن والضلال0
والتوحيد الذي دعت إليه الرسل هو الحق الذي لا مرية فيه ؛ بل هو أحق الحق ، تجب الدعوة إليه؛ لاستنقاذ أهل الضلال من ضلالهم ؛ وإخراجهم من كفرهم ، ولا يفرض على الناس ؛ إذ الهداية إليه محض توفيق من الله تعالى ، وهذا المعنى مقرر في القرآن كما قررته هذه السورة {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً } الكهف29وعاقبة الإيمان حميدة كما أن عاقبة الكفر أليمة0
ومن قصة أهل الكهف حيث الفرار بالتوحيد ، والهروب من الفتنة بالدين ، إلى قصة صاحب الجنتين ؛ حيث تقرير التوحيد بنسبة النعم إلى مسديها ، والاعتراف بفضله ، ولازم ذلك حمده وشكره ، وإخلاص الدين له عز وجل {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً } الكهف39 تقرير للتوحيد، ودعوة إليه، واستدلال عليه بالخلق طورا بعد طور ، مع إعلان إخلاص الدين لله تعالى ، ودحض الشرك0