فهرس الكتاب

الصفحة 7905 من 9994

الحمد لله رب العالمين .. الرحمن الرحيم .. مالك يوم الدين .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

فيا أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بقوى الله عز وجل ومحاسبة النفس وإصلاحها وتزكيتها بالعمل الصالح لا بالمدح الكاذب {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } الشمس10

أيها المسلمون: إِنَّ الحديثَ عن النفس والإسرافَ في تزكية الذَّات ، آفةٌ مُستشرية في مجتمعنا مع شديد الأسف ، مع أن اللائق بالإنسان هو أن يتَّهم نفسه دائماً حتى لا تفتر أو تتكبر ، إِنَ مبدأ هضمِ النفس واللُصوق إلى الأرض من مكارم الأخلاق ، من حليه المسلمين عامة وأهلِ العلم والمعرفة منهم خاصة ، فهذه أمُّ المؤمنين عائشةُ ـ رضي الله عنها ـ تُسئل عن قوله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } فاطر32 فتقول للسائل يا بني هؤلاء في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ـ r ـ شهد له رسول الله ـ r ـ بالحياة والرزق وأما المقتصد فمن اتبع أثرة من أصحابه حتى لحق به ، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم قال: ( فجعلت نفسها ـ رضي الله عنها ـ معنا، وهذا منها ـ رضي الله عنها من باب هضم النفس والتواضع وإلا من أكبر السابقين بالخيرات لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام .( تفسير أبن كثير 3/611 ط در الخير)

وهذا إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ كان يقول الخير فيمن لا يرى لنفسه خيراً وقال له رجلٌ جزاك الله عن الإسلام خيراً فغضب ـ رحمه الله ـ وقال مَنْ أنا حتى يجزيني الله عن الإسلام خيراً ؟ بل جزى الله الإسلام عنِّي خيراً .

وعن أبي النعمان البصري قال قلتُ للإمام أحمد يا أبا عبدالله بلغني أنك رجلٌ من العرب فمن أي العرب أنت فماذا قال له الإمام أحمد هل قال نعم أنا من بني شيبان وهم فرسان العرب وكذا وكذا كلا إنما قال: يا أبا النعمان نحن قومٌ مساكين وما نصنع بهذا ؟ وتأمل كلا شيخ الإسلام أبن تيمية ـ رحمه الله ـ الإمام المجاهد المعروف كان يقول ( ما أنا بشيء وما مني بشيء ) وكان مع علمه الواسع له ذكرٌ وتسبيحٌ وقرآن ، حتى إنه لما سُجنَ ظلماٌ وعدواناَ ـ ختم القرآن إحدى وثمانين مَرّه .. وهو القائل:

أنا الفقير إلى رَبِّ السماوات أنا المسكين في مجموع حالاتي

أنا المظلوم لنفسي ، وهي ظالمتي والخير إن جاءنا مِنْ عنده يأتي

لا أستطيع لنفسي جلب منفعةٍ ولا عن النفس في دفع المضراتِ

والفقر لي وصف ذات لازمٌ أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي

أما الإمام ابن القيَّم ـ رحمه الله ـ فقد ذكر المترجمون له من عبادته واجتهاده أمراً عظيماً وقد حج مراتٍ كثيرة وجاور بمكة ، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدّة العبادة وكثرة الطوافً أمراً يُتعجَّب منه .

وقال تلميذ أبن كثير ـ رحمه الله ـ لا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثرَ عبادة َمنه ، وكانت له طريقةَ في الصلاة يطيلها جداً ، ويمدُ رُكوعها وسُجودها ويلومه كثير من أصحابة في بعض الأحيان فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك ـ رحمه الله تعالى ـ ومع هذا فله قصيدةٌ في غاية الضراعة والتواضع وهضمِ النفس يقول عن

نفسه: بني أبي بكرٍ كثيرُ ذنوبه فليس على من نال من عرضه إثمُ

بُني أبي بكرٍ جهود بنفسه جهولٌ بأمر الله أنى له العلمُ

بُني أبي بكر غداً متصدراً يعلِّم علماً وهو ليس له علم

بُني أبي بكر غداً متمنياً وصال المعالي والذنوب له همُّ

بُني أبي بكر يروم ترقياً إلى جنة المأوى وليس له عذرُ

بُني أبي بكرٍ يرى العزم في الذي يزول ويفنى والذي تركه الغنم

بُني أبي بكرٍ وأمثاله غدى بفتواهم هذي الخليفةُ تأتَّم

فو الله لو أن الصحابة شاهدوا أفاضلهم هم الصم والبكم

وليس لهم في العلم باع ولا التقى ولا الزهد والدنيا لديهم هي الهمُّ .... إلى آخر ما قال رحمه الله .

وأخبار السلف في إخفاءِ العمل ، وهضم النفس ، كثيرة فمنهم من كان يصلي فإذا دخل الداخل نام على فراشة ، ومنهم من كان يُطعم المساكين والأيتامَ والأرامل فلم يُعلم بهذا إلا بعد موته ، ولقد كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئةً من عمل صالح لا تعلمُ به زوجته ولا غيرها ، ورحم الله الأمام الشافعي حيث يقُول: ( لودِدتُ أن الخلق يتعلمون مني ولا ينسبُ إليّ منه شيء ) .

فالله المستعان ـ رحمه الله على هؤلاء الأقوام فكيف لو أبصرونا وأحدُنا يتشبع بما ليس له ، ويتزين بما ليس فيه ، نسأل الله العفو والمسامحة .

اللهم أصلح فساد قلوبنا .. اللهم حَبِّبْ إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا .. وكره إلينا الكفر والفُسوق والعِصيان واجعلنا من الراشدين .. اللهم آتِ نفوسنا تقواها .. وزكها أنت خيرُ مَنْ زكاها .. أنت وليها ومولاها .

عباد الله: إِنَّ الله وملائكته يصلون على النبي اللهم صل وسلم على بنينا محمد سَيِّد الأولين والآخرين ، وإمام المتقين .. اللهم أرضَ عن خلفائه وجميع أصحابة .. اللهم ارضَ عنهم وأرضهم .. والعن من أبغضهم والعنهم يا رب العالمين .. اللهم أنصر الإسلام والمسلمين في كل مكان .. اللهم أقم علم الجهاد ، وأقمع أهلَ الزيغ والعلمنة والإلحاد ، وأنشر رحمتك على العباد يا رب العالمين .. اللهم دَمِّرْ أعداء الدين من اليهود والنصارى والمنافقين .. اللهم سَلِّط على الصرب والهندوس ومن يسومهم سوءَ العذاب .. اللهم خالف بين كلمتهم وألقِ في قلوبهم الرُّعب يا رب العالمين .. اللهم أصلح مَنْ ولي من أمر المسلمين شيئاً يا رب العالمين واجعل اللهم ولايتنا وولاية المسلمين فمين خافك واتقاك وآثر شرعك ورضاك .. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنه وفي الآخرة حسنه وقنا عذاب النار

سبحان رَبِّك رَبِّ العزة عما يصفون ، وسلامٌ على المرسلين والحمد الله رَبِّ العالمين

الخطبة الأولى

الحمد لله ؛ دلنا على معرفته بصفاته ، وعرفنا عظمته بمخلوقاته ، وأبان لنا الطريق إليه بشريعته وكتابه (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) الأنعام153 أحمده وأشكره ، وأتوب إليه وأستغفره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ أمر عباده بتوحيده وطاعته ، ووعدهم رضوانه وجنته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ؛ أرسله الله تعالى داعياً إلى التوحيد والإيمان ، مبشراً برحمة الله تعالى، ومنذراً من عذابه {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } الأحزاب46-47 صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت