فهرس الكتاب

الصفحة 9659 من 9994

ومن سمات هذا المنهج الرباني مراعاةُ القدرات والمستويات فيعطى كلٌّ ما يناسبه ويلبي حاجاته ومن هذا نعلم خطأ ما تمارسه بعضُ دور التعليم من المساواةِ التامة بين الذكور والإناث في المناهج والمقررات والمراحل والمستويات بل ويبلغ الخطأ منتهاه عند خلط الذكور بالإناث في المدارس والكليات ولا شك أن هذا خطأ كبير مازالت الأمة تجني ويلاته وتحصد حسراتِه في كثيرٍ من بلاد المسلمين كيف لا وقد قال العليم الخبير سبحانه وتعالى: ?وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى? (10) فمن رام تسوية الذكور بالإناث فقد ضاد الله تعالى في خلقه وشرعه، فالواجب الفصلُ بين الجنسين في جميع مراحل التعليم وإعطاء كلٍ ما يناسبه ويلائمه ويحتاجه من العلوم والمعارف.

الخطبة الثانية

أما بعد. . .

فمن سمات المنهج النبوي في التعليم والتربية استمرارية العملية التعليمية وعدم حدها بمرحلة تنتهي عندها فالنبي صلى الله عليه وسلم حث الأمة على تعاهد القرآن الذي هو أصل العلوم ومنبع المعارف الدينية الشرعية قال صلى الله عليه وسلم: (( تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها ) ) (11) متفق عليه. وقال أحد العلماء: لا تزال عالماً متعلماً فإذا استغنيت كنت جاهلاً، فالعلم عندنا من المحبرة إلى المقبرة، لكن لما غاب هذا الفهم عن كثير من متعَلِّمينا رأينا من حملة الشهادات من كان آخرُ عهده بالقراءة والاطلاع والبحث تسلم أوراق تخرجه ولا مرية أن هذا مما يضعف العلم ويذهبهُ فالعلم بالعلم يكثر وينمو ويثبت كما قال الأول:

فاليومَ شيء وغداً مثله من نخب العلم التي تلتقط

يحصل المرءُ بها حكمة وإنما السيل اجتماع النقط

ومن سمات هذا المنهج النبوي إحياءُ العلم بنشره وبذله وتوسيع دائرة المنتفعين به قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها ثم بلّغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) ) (12) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي بسند صحيح. وقال أيضاً: (( إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير ) ) (13) رواه الترمذي بسند حسن. فبذل العلم ونشره باب من أبواب البر التي يتقرب بها إلى الله تعالى فعلى حملة العلم بشتى فروعه وصنوفه أن ينشروا علومهم ويبثوها بين الناس وليكن الواحد منا:

كالبحر يهدي للقريب جواهراً جوداً ويبعث للبعيد سحائبا

ومن سمات المنهج النبوي في التربية والتعليم توظيفُ جميع الطاقات وبث روح المشاركة والعطاء والبناء في أبناء الأمة وتربيتُهم على تحمل الأعباء والقيام بالمسؤوليات فلمحة سريعة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تجلّي هذه السمة المهمة فمن الذي قتل أبا جهل فرعون هذه الأمة أليسا ابني عفراء الغلامين الحدَثين؟ ألم يعقد النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد الراية لقتال الروم ولم يكن قد بلغ العشرين سنة؟ ألم تكن الصحابيات رضي الله عنهن يخرجن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته يداوين المرضى ويسقين الجرحى؟ بلى كل هذا قد كان فعلى التربويين والمعلمين وأولياء الأمور أن يوظفوا جميع طاقات الأمة في خدمة الإسلام ونصر قضاياه حتى الضعفاءَ والمساكين بهم تنصر الأمة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ابغوني ضعفاءكم فهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ) ) (14) رواه أبو داود بسند جيد وفي رواية (( بصلاتهم ودعائهم ) ) (15) .

أيها المؤمنون هذه بعض سمات المنهج الرباني النبوي في إصلاح الأمم وبناء الأجيال، وقد آتت هذه المعالم ثمارها فأخرج الله بها خير أمة أخرجت للناس فكانت ملءَ سمعِ العالمِ وبصره وفؤاده فترة طويلة من الزمن، فلما انحرفت الأمة عن هذه المعالم وتخلّت عن هذه الخصائص خلّف هذا صدعاً كبيراً في الأمة ومزجاً في التربية والتعليم وسبَّب كثيراً من النكسات والنكبات ولا سبيل للخروج من هذه النازلة والتخلص من هذه المعضلة إلا لزومُ المنهج النبوي في الدعوة والتعليم والتربية والتوجيه وعلينا جميعاً مسؤولية إصلاح هذه الانحرافات كل حسب طاقته وقدرته؛ فالأب عليه أن يصلح تربية أولاده ويكملَ النقص الذي في الجهات التربوية الأخرى، ودوُر التعليم ومؤسساته عليها مراجعةُ مناهجها وطرائقِ التدريس فيها، وعلى المجتمع أن يسخر كلَ قدراته ووسائلِ التأثير فيه لتحقيق الهدفَ المنشود من صناعة الأجيال وبناء الرجال فإن الثروة الحقيقية التي تتملكها الأمم هي أبناؤها ورجالها ولا يظن غالط أن التربية والتعليم َمسؤوليةُ جهة معينة فقط بل كلنا مسؤول، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) ) (16) .

(1) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه (رقم 2865) .

(2) آل عمران:164.

(3) آل عمران:110.

(4) النحل:36.

(5) الذاريات:56.

(6) أخرجه البخاري في الجنائز (رقم 1385) و أخرجه مسلم في القدر (رقم 2658) من حد يث أبي هريرة رضي الله عنه .

(7) أخرجه أحمد في المسند (رقم 8252) وأبو داود في العلم (رقم 3664) وابن ماجه في المقدمة (رقم 252) .

(8) النحل:128.

(9) أخرجه النسائي في الأشربة (رقم 5658) عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وابن ماجه في الفتن (رقم 4020) عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه ، انظرالترغيب 3/263.

(10) آل عمران:36.

(11) أخرجه البخاري في فضائل القرآن (رقم 5033) وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها (رقم 791) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه .

(12) أخرجه أحمد من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه (رقم 16312) وأبو داود في العلم (رقم 3660) و الترمذي في العلم من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه (رقم 2656) انظر (جامع العلم1/197) .

(13) أخرجه الترمذي في العلم من حديث أبي امامة الباهلي رضي الله عنه (رقم 2685) .

(14) أخرجه أبو داود في الجهاد (رقم 2594) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه .

(15) أخرجه النسائي في الجهاد (رقم 3178) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه .

(16) أخرجه البخاري في الوصايا (رقم 2751) ومسلم في الإمارة (رقم 1829) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .

الخطبة الأولى

أما بعد. .

فإن أصدق الحديث كتاب الله؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له إله الأولين والآخرين. ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً? (1) فالله تعالى أمركم ـ أيها المؤمنون ـ بتقواه وأن تقولوا قولاً سديداً مستقيماً عدلاً ووعدكم على ذلك إصلاح أعمالكم ومغفرة ذنوبكم.

أيها المؤمنون، إن من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه البديعة هذا اللسان الذي به تتكلمون وتنطقون أو عما في قلوبكم وأنفسكم تعربون.

فإن لسان المرء مفتاح قلبه إذا هو أبدى ما يقول من الفم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت