فهرس الكتاب

الصفحة 8060 من 9994

وإن من المؤسف يا مسلمون أن يساهم المجتمع في تأصيل الضعف نتيجة لضعف التأصيل، وذلك مما يتنافى مع مبدأ العزة الإسلامية 0

وإنه لأمر مرير أن يشارك أبناء المجتمع والطيبون منهم في زرع بذور الذل والهوان، واقتلاع جذور العزة والإباء من خلال الشائعات والإرجاف، وإيحاش القائلين بكلمة الحق 0

يتحدث داعية أو يتكلم واعظ في أمر من أمور الأمة، يقول فيه بكلمة الحق التي يجب أن تقال، فيتسارع الناس إلى تصنيف ذلك الكلام بأنه صريح وجريء، ومن ثم يكثرون من التساؤل عن مصير قائله في نفسه وهمسه وكأنه قال قولا عظيما، أو ارتكب خطأ وخيما، وأتى بما لم يأت به أحد من العالمين.. فيشعر المتكلم بالوحشة والوجل وقلة المناصرين، فيدفعه ذلك إلى التراجع .

أما إذا ابتلي في نفسه أو وظيفته أو منبره فكم من قائل حينها: ليته سكت، وما أكثر العاذلين، وما أقل من يستشعر أن لتحقيق العزة ثمناً ولا بد فيه من تضحيات 0

إن مثل هذه المواقف الخائرة، والمصادمة لعزة المسلم تكوّن عند الناس شعوراً بأن قول الحق خلاف الأصل، وهذا بدوره يرسخ الشعور بالضعف والهوان عند المسلمين 0

إن من واجبنا أن نصنع العزة الحقيقية بأنفسنا.. بكلماتنا.. بمواقفنا.. بأفعالنا.. بعيداً عن العواطف والانفعالات، وإنما عزة موصولة بعزة الله، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون0

فيا أيها الصالحون والمصلحون: اشمخوا بأنوفكم أمام دعاة الباطل وأرباب الشهوات، ولا يغرنكم جمعهم، ولا يخيفنكم مكرهم، فإنما يمكرون ويمكر والله خير الماكرين، ويكيدون كيدا ويكيد ربكم كيدا،

وليُغلبن مغالب الغلاب وما كيد المنافقين إلا في تباب

وإنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه 0

ويا رجال الهيئة أهل الجلالة والهيبة: لا يستخفنكم الذين لا يوقنون، ولا يوهننكم تسلط المجرمين، فو الله لأنتم الأعلون، وأنتم الأعزة بعزة الله، وأنتم الغالبون بقوة الله، وعزتكم بعزة مبادئكم التي تنافحون عنها، فصبراً يا أبطال الهيئات فقد أخبر ربكم: (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ) (المنافقون:8) .

ووعد (( وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) ) (الصافات:173) .

ويا أيتها المرأة المسلمة يا ذات الستر والعفاف: لا يغرنك مكر الماكرين، ولا يضعف إيمانك سخرية الساخرين، فارتفعي بحجابك، واعتزي بعفافك، واشمخي بحيائك، فو الله إنهم ينفقون ويبذلون ويألمون ويخططون ليصدوك عن سبيل الله فستكون جهودهم عليهم حسرة ثم يغلبون، وفي النهاية سيكون النصر والتمكين لأهل الإصلاح والدين، والذلة والصغار والخسار للمنافقين والمفسدين، والله غالب على أمره ولكن المنافقين لا يعلمون0

اللهم صل وسلم..

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة في الله: لقد كان أمةً وحده ، فريداً في عصره ، نادراً في زمانه ، ظهر هذا الرجلُ الفذُ في أمةٍ عمتْ فيها ظلماتُ الجاهلية ،وانتشرتْ فيها سخافاتُ الشركِ والوثنية ، ظهر هذا الرجلُ المباركُ ليعيد للأمةِ كرامتَها التي دنستْ على أعتابِ الشرك ، ، ظهر هذا النجمُ الساطعُ ليحرر البشريةَ من رقِ المخلوقين إلى عبادةِ رب العالمين ، ظهر هذا اللامعُ ليطالبَ بتطبيقِ حكم الله تعالى في أرض الله ، فجهر بالحق ، وصدعَ بالتوحيد ، وقاومَ الجبابرةَ بعزيمةٍ أشدَّ رسوخاً من الجبال ، قاومهم بالحجةِ والبيان ، وقاومهم بتحطيمِ الأوثان ، فشنوا عليه الحملاتِ المتتابعةِ للقضاءِ عليه ، وفعلوا المستحيلاتِ من أجلِ الفتكِ بحياته ،واستخدموا إعلامَهم في التشهيرِ به والنيلِ منه ، لكنهم لم يستطيعوا فعلَ شيءٍ ،لأنه فوضَ أمرَه إلى الله ،وتوكلَ على الحي الذي لا يموت ، نعم ..توكل على الذي ما من دابةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتِها ، توكلَ على العزيزِ الرحيم ، الذي يراه حين يقوم ، وتقلَّبَهُ في الساجدين ، لقد قطع قلبَه عن العلائق ، ورفض التعلقَ بالخلائق ، وأعلن افتقارَه إلى محولِ الأحوال ، ومقدرِ الأقدار لا إله إلا هو .

أيها الأحبة في الله: بقي أن نعرفَ من هو الرجلُ الذي أجمعتْ قوى الكفرِ العالميةِ على حربهِ والقضاءِ عليه ، واتفق عبادُ الأوثانِ للتخلصِ منه ، إنه إمامُ الحنفاءِ ، وخليلُ ربِ الأرضِ والسماء ، إنه إبراهيمُ عليه السلام ، لقد وقفَ خليلُ الرحمنِ أمامَ عنادِ أبيه وقومهِ ، وقفةَ المؤمنِ الواثق ..والموقنِ المطمئن ، فأخذ يحاجُ قومَه باللينِ والرفق ، والحجةِ والبرهان ، فما وجد إلا رؤوساً غادرتْها عقولُها ، وقلوباً تمكن منها الشركُ أيُما تمكن ، وتعلقَ أولئك الوثنيون بأصنامهِم وأمجادِهم ، التي تهاوت واحداً بعد الآخرِ تحت مطارقِ إبراهيمَ عليه السلام (( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ) ) (الصافات:93) ، عندها أجمعَ المشركون أمرَهم ، ومكروا مكرهم ، (( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ) ) (الأنبياء:68) فأوقدوا ناراً عظيمة ، جمعوا حطبهَا شهرا ، وأشعلوا فتيلَها دهرا ، وحملوا الخليلَ على المنجنيقِ مقيدا ، ليقذفوه من بعيد ، واجتمعَ الملأُ ينظرون ، والناسُ يتشمتون ،فلما أيقنَ إبراهيمُ من إلقاءِه في النار ، ما أصابَه جزعٌ ، ولا اعتراهُ خوفٌ ،ولم يكترثْ بجماهيرهِم المحتشدة ، ونيرانِهم الملتهبة ، وكلماتِهم النابية ، وإنما قال كلمتَه العظيمةَ المدويةَ: حسبي اللهُ ونعم الوكيل ، كلمةْ ..لا يقولُها إلا المؤمنون ، ولا يلهجُ بها إلا المتوكلون الصادقون ، فلما توكل على اللهِ كفاه ، ولما صدقَ مع الله أنقذه ونجاه ، (( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ) ) (الأنبياء:69-70)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت