فهرس الكتاب

الصفحة 8061 من 9994

إن تحقيقَ التوكلِ يا مسلمون يُورثُ قوةً في القلبِ وثباتا ، وشجاعةً وإقداما ، ولا يبالي من قوي توكلُه بالله بأي قوةٍ مهما عظمت ، ولا يهابُ أي عدوٍ مهما كانت قوتُه ، هاهو ربنا يأمرُنا بالإعراضِ عن الأعداء ، وعدمِ الاهتمامِ بهم أو الخوفِ منهم (( وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً ) ) (النساء:81) ويقول سبحانه آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم: (( وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) ) (الأحزاب:48) ، ولذلك وقفَ الأنبياءُ موقفَ القوةِ والتحدي أمامَ أعدائِهم مع قلةِ الأتباعِ والأنصار ، ولكنهم اتكلوا على ركنٍ شديد ، لا يخذلُ من لاذ به ، ولا يهزمُ من كان ناصرُه ، فهذا نوحٌ عليه السلام يقولُ الله تعالى عنه: (( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ ) ) (يونس:71) إن كان الأمرُ قد بلغَ منكم مبلغَ الضيق ، فلم تعودوا تتحملون بقائي فيكم ودعوتي لكم ؛ وتذكيري لكم بآياتِ الله ،فأنتم وما تريدون ،وأنا ماضٍ في طريقي لا أعتمدُ إلا على الله: (( فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ ) )عليه وحدَه فهو حسبي دون النصراءِ والأولياء .. (( فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ) )وتدبروا مصادرَ أمركِم ومواردَه ، وخذوا أهبَتكم متضامنين (( ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ) )بل ليكنِ الموقفُ واضحاً في نفوسكِم ، وما تعتزمونَه مقرراً لا لبسَ فيه ولا غموض ، ولا ترددَ فيه ولا رجعة ، (( ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ ) )فنفذوا ما اعتزمتم بشأني وما دبرتم ، بعد الرويةِ ووزنِ الأمورِ كلِّها والتصميمِ الذي لا ترددَ فيه (( وَلاَ تُنظِرُونِ ) )ولا تمهلوني للأهبةِ والاستعداد ،إنه التحدي الصريحُ المثير ،الذي لا يقولُه القائلُ إلا وهو مالئٌ يديهِ من قوته ، واثقٌ كلَّ الوثوقِ من عدته ، حتى ليغري خصومَه بنفسه ، ويحرضُهم بمثيراتِ القولِ على أن يهاجموه !! فماذا كان وراءَ نوحٍ عليه السلام من القوةِ والعُدة ؟ وماذا كان معه من قوى الأرضِ جميعا؟

لقد كان معه التوكلُ على الرحيمِ الرحمن ..الذي تتصاغرُ أمامَه كلُّ القوى ، وتتضاءلُ أمامَه الكثرة ، ويعجزُ أمامَه التدبير ، كان وراءَه العزيزُ الجبار ، الذي لا يدعُ أولياءَه لأولياءِ الشيطان !! إنه التوكلُ على الله وحدَه ، ذلك الذي يصلُ صاحبَه بمصدرِ القوةِ الكبرى سبحانه وتعالى ، فليس هذا التحدي غرورا ، وليس تهورا ولا انتحارا ، إنما هو تحدي القوةَ الحقيقةَ الكبرى للقوى الهزيلةِ الفانيةِ ، التي تتضاءلُ وتتصاغرُ أمامَ أصحابِ الإيمان . يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه الله: ( فلولا أنَّ تحقيقَه هذه الكلمةُ؛ وهو توكلُه على الله يدفعُ ما تحداهم به ، ودعاهم إليه ، تعجيزاً لهم من مناجزته ، لكان قد طلبَ منهم أن يُهلكوه ، وهذا لا يجوز .. فدل على أنه بتوكلِه على الله سيعجزهُم بما تحداهم به ) [1]

وكذلك هودٌ عليه السلام ،نذرَ نفسَه للرسالةِ التي حُمّل إياها ، فانبرى لقومِه داعيا وناصحا ، فما وجد منهم غيرَ الكفرِ والفجور ، وهنا ؛ يصرخُ بهم هودٌ صرختَه المدوية ، صرخةَ المؤمنِ الواثقِ بربه ، المتوكلِ عليه سبحانه ، الساخرِ من حمقهِم وغفلتهِم ، المتحدي لهم ولأوثانهِم أجمعين (( قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ* مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ* إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ) (هود:54-56)

وأما إمامُ المتوكلين ، وقائدُ الغرِ المحجلين محمدٌ عليه أفضلُ الصلاةِ وأتمُ التسليم ، فسيرتُه ملأا بأعاجيبَ من توكله ، وعظيمِ يقينِه بالله تعالى ، فقد خرجَ مهاجراً مع أبي بكرٍ رضي الله عنه ، فدخلا الغارَ مختبئين ، وحام المشركون حولَ الغار، ووقفوا على بابهِ ، تكادُ قلوبهُم تميزُ من الغيظ ، على محمدٍ وصاحبِه ، فخشي الصديقُ رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُمسَّ بأذى فقال: يا رسول الله ؛ لو نظرَ أحدهُم تحت قدمهِ لأبصرنا. فقال عليه الصلاة والسلام بكلِ هدوءٍ واطمئنان ..وبلغةِ المتوكلِ على ربه ، المعتمدِ على مولاه: (( لا تحزن إن الله معنا ) )وفي حمراءِ الأسد ، جمع المشركون جموعَهم ،وحشدوا حشودَهم ، لقتالِ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابِه فخرج عليه الصلاةُ والسلام وأصحابُه ، بكلِ شجاعةٍ واقتدار ، وبكلِ عزيمةٍ وإصرار ، لمواجهةِ الجموعِ المتربصة ، والجنودِ المكتضةِ المزدحمة ، متوكلين على الله وحدَه ، طالبين المددَ منه سبحانه (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) ) (آل عمران:173-174) قالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: حسبنا الله ونعم الوكيل ، قالها إبراهيمُ عليه السلام حين أُلقي في النار ، وقالها محمدٌ صلى الله عليه وسلم حين قال له الناسُ: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم .

أيها الفضلاء: إن لنا في أنبياءِ الله ورسلِه أسوةً حسنة ، وإنه لينبغي لنا أن تمتلئَ قلوبنُا ثقةً بربنا حتى تفيضَ من جوانحنِا ، ونتوكلُ عليه في وجه الطاغوتِ أياً كان !! ولن يضرنَا الطاغوتُ إلا أذى ، ابتلاءً من الله تعالى لا عجزاً منه سبحانه عن نصرةِ أوليائه ، ولا تركاً لهم ليسلِمَهم إلى أعدائه ، ولكنه الابتلاءُ الذي يمحصُ القلوبَ والصفوف ، ثم تعودُ الكرةُ للمؤمنين ، ويحقُ وعدُ الله لهم بالنصرِ والتمكين .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت