دراسة فقهية الطيب السنوسي أحمد*
من مزايا الفقه الإسلامي أنه تشريع واقعي، يتعامل مع واقع البشر ويسع جميع تصرفاتهم بأحكامه المنصوصة في الكتاب والسنة، أو المستنبطة منهما بطريق من طرق الاستنباط والاستدلال، وليس منهجاً صورياً بعيداً عن الواقع، ومن هنا وسعت قواعده وضوابطه كل جديد من الأحداث والتصرفات، وعمت بكليتها كل مكان وزمان.
ومن المسائل التي تتخرج على جملة من قواعد الفقه: مسألة بدائل السجن، وهذه دراسة فقهية مختصرة لهذه المسألة، سميتها:"بدائل السجن دراسة فقهية". أسأل الله أن ينفع بها.
وقد جعلت هذه الدراسة في ثلاثة محاور رئيسة هي:
المحور الأول: في بيان معنى العقوبة والتعزير:
وذلك بناء على أن السجن أحد أفراد التعزير، والتعزير أحد أنواع العقوبة الشرعية.
تعريف العقوبة:
العقوبة في اللغة: اسم مصدر من عاقب يعاقب عقاباً ومعاقبة، وهي الجزاء على الفعل السيئ (1) ، وعرفت في الاصطلاح بأنها: الجزاء المقرر على مخالفة الشرع بانتهاك حق الله تعالى، حداً كان أو كفارة أو تعزيراً (2) .
أنواع العقوبة:
العقوبة في العرف الفقهي: اسم جنس تشمل مصطلحات شرعية ثلاثة كل منها عقوبة شرعية، هي: الحد، والتعزير، والكفارة (3) .
معنى التعزير:
التعزير في لغة العرب من عزره يعزره، مخففاً، ويشدد، والعزر: الرد والمنع، ولذا أطلق على التأديب؛ لأنه يمنع المؤدب من الرجوع إلى الخطأ، ويطلق التعزير على النصرة، كما قال تعالى: وآمنتم برسلي وعزرتموهم ( 12 ) {المائدة: 12} ؛ لأن من نصر إنساناً فقد رد عنه أعداءه ومنعهم من أذاه (4) .
والتعزير في الاصطلاح:"التأديب في معصية، لا حد فيها ولا كفارة" (5) .
موجب التعزير:
موجب التعزير:"كل جناية أو جريمة (6) لا حد فيها ولا كفارة" (7) .
والتعزير قد يكون حقاً خالصاً لله تعالى، وقد يكون حقاً خالصاً للآدميين، وقد يكون في فعل فيه حق الله وحق الخلق.
خصائص التعزير:
تتميز التعازير عن عقوبة الحد وبقية العقوبات الشرعية الأخرى بأمور أذكر منها ما يلي:
1-أنها غير محددة شرعاً بمقدار معين ولا بنوع معين، وإنما فوض تقديرها إلى اجتهاد من يقيمها ممن هو أهل للاجتهاد من القضاة الشرعيين.
2-أنها تختلف باختلاف الناس شرفاً وضعة، كبراً وصغراً، مهابة وحقارة، والحدود لا تختلف باختلاف فاعلها. يقول القرافي:"لابد في التعزير من اعتبار مقدار الجناية والجاني والمجني عليه" (8) .
3-أنها لا تسقط بالشبهات، كما نص عليه الزركشي في: المنثور قائلاً:"لا تسقط التعزيرات بالشبهة".
4-أنها تابعة للمفاسد سواء كانت جنايات أو جرائم، وسواء كانت معاصي أو مجرد مفاسد، أما الحدود فإنها باستقراء أفرادها في الشرع لم توجد إلا في معصية، كما بينه القرافي (9) .
5-سعة مجالها من حيث السبب الموجب لها، وتقديرها، وعموم من تقع عليه.
6-مناسبتها للجناية قدراً ونوعاً وصفة، ولذلك تتفاوت بتفاوت الجناية، يقول العز بن عبدالسلام - رحمه الله:"وأما التعزيرات فزواجر عن ذنوب لم تشرع فيها حدود ولا كفارات، وهي متفاوتة بتفاوت الذنوب في القبح والأذى" (10) . وقال ابن تيمية - بعد أن عدد بعض الجرائم التعزيرية:"فهؤلاء يعاقبون تعزيراً وتنكيلاً وتأديباً بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته، فإذا كان كثيراً زاد في العقوبة، بخلاف ما إذا كان قليلاً، وعلى حسب حال المذنب، فإذا كان من المدمنين على الفجور زيد في عقوبته بخلاف المقل من ذلك، وعلى حسب كبر الذنب وصغره، فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم بما لا يعاقب من لم يتعرض إلا لمرأة واحدة، أو صبي واحد" (11) .
7-دخول التخيير فيها، بخلاف الحدود، حاشا حد الحرابة (12) .
المحور الثاني: في السجن.
تعريف السجن:
السجن في اللغة: بفتح السين مصدر سجن، وهو نفس الحبس الواقع على الشخص المحكوم عليه، وبكسر السين: اسم للمكان الذي يسجن فيه، وقرئ قوله تعالى: قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه 33 {يوسف: 33} بالكسر على الموضع، وبالفتح على المصدر، ومادة الحبس تدل على المنع (13) .
وأما السجن في اصطلاح الفقهاء فإن طائفة من الباحثين المعاصرين (14) ذكروا - حسب اطلاعهم - أن أول من عرف السجن اصطلاحاً هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن كل من أتى بعده نقل التعريف عنه، لكني اطلعت على أن ابن حزم سبق ابن تيمية؛ حيث ذكر تعريف السجن في كتابه الإحكام فقال (15) :"السجن: منع المسجون من الأذى للناس أو من الفرار بحق لزمه وهو قادر على أدائه".
وتعريف ابن تيمية ذكره بقوله:"الحبس الشرعي: ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد، أو كان بتوكيل نفس الخصم أو وكيل الخصم عليه" (16) .
ومصطلح السجن له مدلول في العرف الفقهي، هو ما دل عليه تعريف ابن حزم وابن تيمية، وهو بهذا العرف أعم من أن يكون في مكان معد لذلك سلفاً أو في أي مكان.