ألم يسمعوا ـ أيضاً ـ ما أخرجه الترمذي وغيره (5) من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبيت الليالي المتتابعة طاوياً ـ أي جائعاً ـ وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير» ؟
وأين هم من قوله عليه ـ الصلاة والسلام ـ فيما أخرجه الترمذي (6) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: «تجشّأ رجلٌ عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «كُفّ عنا جُشاءك! فإن أكثركم شبعاً في الدينا أطولكم جُوعاً يوم القيامة» ؟ والجشاء: هو الصوت الذي يخرج من الفم مصحوباً بهواء ورائحة الطعام نصف المهضوم، وباللهجة العامية (التدريع) ، وهذا الجشاء لا يكون إلا بسبب كثرة الطعام ممَّا يؤدي إلى عسر الهضم.
وأين هم ـ أيضاً ـ من قول الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ: «إياكم والبطنة! فإنها مكسلة للصلاة، ومفسدة للجسم، ومؤدية إلى السّقم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فهو أبعد من السرف، وأصح للبدن، وأقوى على العبادة» ؟ وكلمة (بالقصد) تذكّرني بالحديث الذي قرأته مرة ووجدت له ثماني روايات، وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما عال امرؤ اقتصد» أي: ما افتقر امرؤ اقتصد في معيشته ووضع المال الذي يصرفه في مكانه دون إسراف فيه، وهذا المعنى موجود في قوله ـ تعالى ـ: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} [الإسراء: 29] .
ألم يسمعوا إلى غير ذلك من الأحاديث؟ التي لا نريد بسردها دعوة الناس إلى العيش في فقر وفاقة، ولكن نريد بسردها دعوة الناس إلى تذكّر ما كان عليه نبيهم -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وأن يتقوا الله فيما يأكلونه، وفيما يرمونه من الزائد من طعامهم في أماكن رمي القاذورات، وما أكثر ما نشاهد ذلك في زماننا! وللأسف.
وكان أحرى بهم أن يقتصدوا على ما يكفيهم، وكان أحرى بهم ـ أيضاً ـ لو كان هناك زائد من الطعام أن يحتفطوا به في أماكن التبريد والثلاجات، أو يعطوه للفقراء والمحتاجين وما أكثرهم، وكأنّهم عند رميهم للطعام لم يسمعوا قول الله: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} . [الإسراء: 26 - 27]
هذا هو حال مجتمعاتنا، ليس همّها سوى الطعام والشراب؛ بينما نجد غيرنا من الأمم من حولنا قدر رسموا لأنفسهم برنامجاً في الطعام لا يتزحزحون عنه قدر أُنملة، فنجدهم قد سبقونا في التطور العلمي والتكنولوجي بكل جزئياته وتقسيماته، وكل ذلك من قلّة الطعام الذي يتناولونه لأنهم يعلمون حق العلم أن كثرة الطعام تؤثر على استيعاب الفكر والذهن فتجعله يتوقف عن العمل والعطاء، واليابان أكبر مثال على ذلك، فقلّما ترى فيهم رجلاً بديناً سميناً، بل إن العكس حاصل فيهم، وكم أدهشني ما سمعته من أحدهم: أن صاحب شركة تويوتا اليابانية لصناعة السيارات، إذا أراد الذهاب إلى عمله لا يذهب بسيارته؛ إنما يستقلّ دراجته الهوائية؛ وذلك لكي يحافظ على صحته ورشاقته! فإن ركوب السيارات كثيراً ما تجعل الإنسان سميناً، وهذا ما نشاهده اليوم.
وما أجمل قول الشاعر، وهو يضع يده على الجرح واصفاً حال المرء الأكول ـ الذي لا يهمّه خروج النَّفس أو عدم خروجه ـ وصفاً جميلاً ورائعاً، حيث قال:
أكبَّ على الخِوان وكان خفّاً
فلما قام أثقَلَه القيامُ
ووالى بينهما لُقَماً ضِخَاماً
فما مَرِئتْ له اللُّقَمُ الضخامُ
وعاجلَ بلعَهُنّ بغير مضغٍ
فهنّ بِفِيه وضعٌ فالتهامُ
ألا إن الطعام دواءُ داءٍ
به ابتُليت من القِدم الأنامُ
فداوِ سقامَ جوعك عن كفافٍ
فإكثارُ الدواء هو السِّقامُ
وأغبى العالمين فتىً أكولُ
لفطنته ببطنته انهزامُ
(u) ماجستير في الحديث الشريف ـ جامعة أم درمان الإسلامية.
(1) أخرجه الترمذي واللفظ له: رقم (2380) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد: رقم (17186) عن المقداد بن معدي كرب رضي الله عنه.
(1) أخرجه البخاري واللفظ له: رقم (5374) ، وأخرجه مسلم: رقم (2976) .
(2) أخرجه البخاري واللفظ له: رقم (5416) وانظر: (6454) ، وأخرجه مسلم: رقم (2970) .
(3) أخرجه البخاري: رقم (5385) ، وانظر: (5421 ـ 6457) . (4) أخرجه الترمذي: رقم (2347) ، وقال: هذا حديث حسن.
(5) أخرجه الترمذي: رقم (2360) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح. (6) أخرجه الترمذي: رقم (2478) ، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.