الحمدُ للهِ معزُّ من أطاعهُ واتقاه، ومذلُ من عصاهُ وخالفَ أمرهِ واتبع هواه، أحمُدُهُ سُبحانهُ وأشكره، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ- صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ وسلمَ- تسليماً كثيراً، أمَّا بعد:
أيُّها الناس: لقد كانَ- صلى الله عليه وسلم- لا يُشارِكُ الناسَ ما ينزُلُ بِهم من خصاصةٍ فحسب، بل يضعُ لنفسهِ ولأهلِ بيتهِ مبدأً لا يَحيدُونَ عنه، هو: أن يكونُوا أوَّلَ من يجوعُ إذا جاعَ الناس، وآخرُ من يشبعُ إذا شبعَ الناس.!!
وحينَ رأى بعضُ القَادِمين عليهِ يَهابُونُهُ في اضطرابٍ ووجل، قال لهم: ( هَوِّنوا عليكم، إنَّ أُمي كانت تأكلُ القَدِيدَ بمكة ) [10] !!
ألقى كل أعداءِ دينهِ السلاح، ومدُّوا إليهِ أعناقهم ليحكمَ فيها بما يرى، بينما عشرةُ آلافِ سيفٍ تتوهجُ يومَ الفتحِ فوق رُبى مكةَ في أيدي المسلمينَ، فلم يزد على أن قالَ لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) .!
حتى حقَّهُ في رؤيةِ النصرِ الذي أفنى في سبيلهِ حياتَهُ، حرمَ نفسهُ منهُ، فقد سارَ في موكبِ نصرهِ يومَ الفتح، حانياً رأسهُ حتى تعذرَ على الناسِ رُؤيةَ وجهه، مُردداً بينهُ وبينَ نفسهُ ابتهالاتِ الشُّكرِ المبللةِ بدمعه، رافعاً إيَّاها في حياءٍ إلى ربِّهِ العليِّ الكبير، حتى وصلَ الكعبة، وواجهَ الأصنامَ في زِحامها، فأعملَ فيها معولهُ وهُو يقولُ: ( جاءَ الحقٌّ وزهقَ الباطل، إنَّ الباطلَ كان زهُوقا ) ..!
لقد رأوهُ وهو يصعدُ المنبرَ ويقول: ( من كنتُ جلدتُ لهُ ظهراً فهذهِ ظهري فليستقدْ منه، ومن كنتُ أخذتُ لهُ مالاً فهذا مالي فليأخذ منهُ ..) [11] .
أيُّها الأخوةُ في الله: إنَّ سيرةَ محمدٍ- صلى الله عليه وسلم- بكلِّ ما فيها من مواقفَ ووقائعَ محلاً للتَّأملِ والتدبر، تأملاً يُحرِكُ القلوبَ، ويستثيرُ الهمم، ويقودُ إلى العملِ، تدبرٍ يزيدُ في الإيمانِ، ويزكِّي القلوبَ، ويقُوِّمُ المسيرة.
ألا إنَّها دعوةٌ للتأملِ في سيرةِ المصطفى- صلى الله عليه وسلم- والأخذِ من ينبوعها.
ألا إنَّها دعوةٌ لأولئكَ المُعجبينَ بمن يُسَمُونَ نجوماً وهم إلى الثرى أقرب، ألا إنَّ النجمَ الذي يتلألأُ هُو رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- وهو الجديرُ بأن يكونَ محلَّ التفكير، وأن يعيشَ في الضميرِ، وأن يكونَ القدوةَ والمنبعَ الذي تُستقى منهُ جميعَ الأمور، فالفضلُ بعدَ اللهِ لهُ، فهو سببُ هدايتكَ ونجاتكَ من النار .
أيليقُ بعد هذا لعاقلٍ أن يجعلَ قُدوتَهُ وأسوتَهُ من لا ينفعُهُ في دنيا ولا أخرى، بل رُبما كانَ عالةً عليهِ يومَ القيامة، وحسرةً وندامة، (( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ) ) (الفرقان:27) .
اللهم إنا نشهد بأننا نحبك ونحب نبيك- صلى الله عليه وسلم- فاللهم ارزقنا شفاعته يوم العرض عليك، اللهم اجعلنا من زُمرته، اللهمَّ اجعلنا من أنصار دينه، اللهمَّ اجعلنا ممن ينصرون رسالته، ويُنافحون عنها يا رب العالمين .
[1] السيرة النبوية د مهدي رزق الله ص115 بتصرف .
[2] سبهل الهدى (2/147) باختصار .
[3] هذا الحبيب يا محب ص74 -75 .
[4] فقه السيرة النبوية ص347
[5] الطبقات الكبرى لابن سعد (8/303)
[6] فقه السيرة النبوية ص347
[7] أخرجه البخاري من حديث المغيرة (2/44) ومسلم (2819)
[8] رواه البخاري ورقمه (2916)
[9] رواه النسائي ورقمه (1397) .
[10] رواه ابن ماجه ورقمه (3303)
[11] فقه السيرة ص719
الحمد لله الذي خصنا بخير رسله، وأنزل علينا أكرم كتبه، وشرع لنا أكمل شرائعه، أحمده سبحانه وأشكره، لا أحصي ثناء عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلَموا أنَّ العجائبَ في هذه الدنيا كثيرةٌ، وإنّ الغرائبَ فيها لعديدة، ومِن أعجب ذلك وأغربِه أن يَطعنَ الوضيعُ في الرّفيع، والخبيثُ في الطيّب، والسّخيفُ في الشّريف. إنّ هؤلاء الذين تجرّؤوا على الطعن في شخصِ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم كان يكفِيهم ما فيهم؛ بطلانٌ في الدّين، وفَسادٌ في العقول، وانتهاك للأعراض، وإتلاف للأموال، واعتداء على الأنفس، جمعيات ومؤسسات وهيئات تدافع عن الشواذّ وتطالب بحقوقهم! وأخرى تتاجر بأجساد النساء!! الفاحشة عندهم مكرُمة! والشذوذ حرّية!...
أيها المؤمنون..لقد رحمنا الله تعالى رحمة واسعة حين خصّنا فجعلنا أتباع خير الخلق صلى الله عليه وسلم الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهداية ، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الذلّ والظلم والجهل والشتات والمهانة إلى العزّ والعدل والعلم والاجتماع والكرامة، مَنْ نحن لولا أن بعث الله إلينا محمداً صلى الله عليه وسلم ؟! وما قيمتنا لولا أن الله منَّ علينا بشريعته ؟!
(( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ).
لقد بلغ صلى الله عليه وسلم الرسالة أحسن بلاغ، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.
آذاه قومه فصبر ليبلّغ هذه الرسالة، ذهب إلى الطائف على قدميه يعرض الإسلام على قبائلها، فأغرَوا به صبيانهم، وأدمَوا عقبيه وهو صابر في سبيل الله في تبليغ الدعوة، يعرض نفسَه على القبائل فتطرده فلا يثنيه ذلك شيئا، أصحابه يعذّبون في حرّ الهجير وهم يستغيثون بالله فقال صلى الله عليه وسلم: (( صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) )يشجّ رأسه يوم أحد، وتكسر رباعيته ، ويتكالب الأعداء على قتله يوم الخندق، فيحزّبون الأحزاب، ويدسّ له اليهود السمّ، ويحاولون قتله أكثر من مرّة، لكن ذلك لا يثني من عزيمته لنشر هذا الدين، حتى بلغ الإسلام مشارقَ الأرض ومغاربها.
لا تحصَى فضائله، ولا تعدّ مزاياه صلى الله عليه وسلم . ما من صفة كمال بشرية إلا اتّصف بها، زكّى الله تعالى عقله فقال: (( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) ).
وزكّى لسانه فقال: (( وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى ) ). وزكّى شرعه فقال: (( إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) ). وزكّى معلِّمه فقال: (( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ) ). وزكّى قلبه فقال: (( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ). وزكّى بصره فقال: (( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) )وزكّى أصحابه فقال: (( وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ). وزكّا هديه وتعامله مع أهله وأصحابه وخصومه فقال: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ).
نادى الله الأنبياء والرسل بأسمائهم فقال: (( يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) )وقال: (( يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) ).
و (( قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ ) ).
(( وإذ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ) ).
أما نبينا فناداه بالرسالة، فقال: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ) ).