ما الذي جعلَ المؤمنينَ بهِ يزيدُونَ ولا ينقُصُون، وهُو الذي يهتفُ فيهم صباحَ مساء، [ لا أملكُ لكم نفعاً ولا ضراً، ولا أدرِي ما يُفعلُ بي ولا بكم] ؟؟
وما الذي جعلَهم يُصدِقُونَ أنَّ الدنيا ستَفتحُ عليهم أقطارها، وأنَّ أقدَامهم ستخُوضُ خوضاً في ذهبِ العالمِ وتيجانه، وأنَّ هذا القرآنُ الذي يتلُونَهُ في استخفاء، ستردِدُهُ الآفاقُ عاليَ الصدحِ، قويَ الرنين، لا في جيلهم فحسب.
ولا في جزيرَتهم فحسب، بل عبرَ جميعِ الزمان، وجميع المكان ؟
وما الذي ملأَ قلوبِهم يقيناً وعزما؟ أنَّهُ ابن عبد الله محمد- صلى الله عليه وسلم-. ومن لكلِّ هذا سواه ؟
لو أطلق الكونُ الفسيح ُلسانه لسرتْ إليك بمدحه الأشعار
لو قيل: مَنْ خيرُ العبادِ،لردَّدتْ أصواتُ مَنْ سمعوا: هو المختار
لِمَ لا تكون ؟ وأنتَ أفضل مرسلٍ وأعزُّ من رسموا الطريق وساروا
ما أنت إلا الشمس يملأ نورها آفاقَنا ، مهما أُثيرَ غبار
لقد رأوا رأيَّ العينِ كلَّ فضائلهِ ومزاياه، رأوا طُهرِهِ وعفتهِ ، رأوا أمانته
واستقامتهِ ، رأوا شجاعته وبسالته ، رَأوا سُمُوه وحنانه .
هؤلاءِ رَأَوا محمداً وعاصروهُ منذُ أهلَّ على الوجودِ وليداً، لم تخفَ عليهم من حياتهِ خافيه، حتى طُورَ الطفولةِ، ذلكَ الذي لا ينتبه إليه إلاَّ أهلُ الطفلِ وذووهُ، كان بالنسبةِ لمحمدٍ- صلى الله عليه وسلم- مرئياً مُشاهداً لأهلِ مكةَ جميعاً، ذلكَ أنَّ طفولتَهُ لم تكن كبقيةِ الطفولات، ولقد لفتت أنظارَ الناسِ إليها بقدرِ ما انطوت عليهِ من رجولةٍ مبكرةٍ ، وبقدرِ ما عزفت عن لهوِ الأطفال إلى جدِّ الرجال!! فعلى سبيلِ المثال:
كانت قريشٌ تتحدثُ عمَّا أنبأتهم بهِ، وأذاعتهُ بينهم مرضعتهُ حليمة، حينَ عادت بهِ إلى أهلهِ، حاكيةً لهم من ملحوظَاتِها ومُشاهدَتها وتجربتها مع الطفلِ، ما أقنعها بأنَّهُ طفلٌ غير عادي ، وأنَّهُ ينطوي على سرٍّ يعلمهُ الله، وقد تكشفهُ الأيام، فقد كانَ بحلولِ النبيِّ- صلى الله عليه وسلم- عليها دَرَّ ثديها اللبن، فارتوى منهُ محمدٌ وابنها الذي كانت تحملهُ بعد أن كانَ يبكي من الجوعِ لجفافِ ثدي أمِّه، ولا ينامُ هُو وأهلُهُ، وامتلأ ضرعُ راحلتها باللبنِ بعد أن كانَ يابساً، فشبعت منها مع زوجِها، وأضحتِ الراحلةُ نشطةً قوية، وحيثُما حلَّت أغنامُ حليمةَ تجدُ مرعاً خصبا، فتشبعُ ولا تجدُ أغنامَ غيرها شيئاً، وكان ينمُو نمواً سريعاً لا يُشبهُ نمُوَّ الغلمان [1] .
وأما شبابُهُ - فيا لطهرِ شبابهِ - فقد كانَ وضوحاً وإسفاراً، وكانَ حديثُ قومهِ عنهُ وشُغلهُم به، أكثرَ دأباً وإكباراً، فعندما حجَّ أكثمُ بن صيفي- حكيمُ العرب- ورأى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهُو في سنِّ الاحتلام، قال لعمِّ النبيِّ أبي طالب: ما تظنُونُ به ؟ قال نحسنُ بهِ الظن، وإنَّهُ لوفيٌّ سخي، قال: هل غيرَ هذا ؟ قال نعم، إنَّهُ لذوُ شدةٍ ولينٍ ومجلسٍ ركين، وفضلٍ متين. قال فهل غير هذا ؟ قال إنَّا لنتيمنُ بمشهدهِ، ونتعرفُ البركةَ فيما لمسهُ بيده [2]
وأمَّا رجُولَتهُ فقد كانت ملءَ كلِّ عينٍ وأذنٍ وقلب. وكانت فوقَ هذا ؛ مقياساً لقومه ..يقيسون بأخلاقه وتصرفاته ، كلَّ رُؤاهم عن الحقِّ والخير والجمال، فهَاهُم ذا على وشكِ أن يقتتِلُوا في من يضعُ الحجرَ الأسودِ في مكانه، وأخيراً ألهَمهُم اللهُ تعالى إلى تحكيمِ أوَّلُ من يُقبلُ من بابِ الصفا، وما زالوا كذلك حتى أقبلَ محمدٌ- صلى الله عليه وسلم- فما أن رَأوهُ حتى قالوا: هذا محمدٌ الأمين، رضينا به حكما [3] .
هي إذن حياةٌ واضحةٌ مقروءةٌ من المهدِ إلى اللحد .
ما أنت إلا أحمد المحمود في كل الأمور ، بذاك يشهد غار
والكعبة الغرَّاءُ تشهد مثلما شهد المقامُ وركنها والدَّار
يا خير من صلى وصام وخير من قاد الحجيج وخير من يَشْتَارُ
فإذا كانت حياتهُ كما ترونَ وكما تُبصرون نقاءً وصدقاً، وعفافاً وطهرا، فهل جُرِّب عليه كذباً ؟ أم هل خانَ مرة ؟ هل ظلم إنساناً ؟ هل كشفَ عورةً ؟ هل خفرَ ذمةً ؟ هل قطع رحماً ؟هل تخلى عن مروءةٍ ؟ هل شتم أحداً ؟ هل استقبل صنماً ؟
إذن كيف يسيغُ لعاقلٍ بعد ذلك أن يدعَ مثلَ هذا النورِ الذي يُنيرُ شموعَ الأنس، ويسقي حدائقَ اللذةِ، ولا يجعلُهُ نصبَ عينيهِ، يحذُو حذوهُ، ويسيرُ خلفه، ويقتدي بهديه ؟ويكونُ من حملةِ رسالتهِ، وحُماةَ دينهِ والذَّا بينَ عن حياضه .
كيف يسيغ لعاقل ..أن يترك هذا النور ليتابع ما يقال عنهم نجوم ستار أكاديمي ؟!! أو يتابع نجوم الكرة أو الفن أو غيرهم ؟!!
أمة الإسلام: لقد كانَ موقفُ الجيلِ الفريدِ من رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- موقفاً حاسماً وسريعاً، ليس لترددٍ ولا للتلكؤ معهُ سبيل، فإنسانٌ لهُ كلُّ هذهِ الحياةِ المضيئةِ الطاهرةِ ، لهو جديرٌ بأن يُفدى بالنفسِ والنفيس.
فذاكَ عليُّ بن أبي طالب عندما قرر رسولُ اللهِ الهجرةَ إلى المدينةِ، أمرهُ أن ينامَ في فراشهِ، وعليٌّ يعلمُ أنَّ السيوفَ قد تصيبه في كلِّ لحظة، ومع ذلكَ يُقدِّمُ نفسهُ فداءً لرسولِ الله- صلى الله عليه وسلم [4] .
ولا شيءَ أروع ُمن مشاركةِ فتاةٍ في ميدانِ القتالِ، الذي قد يتخاذل عنهُ فحولُ الرجال، فهذهِ أمُّ عمارةَ يشهدُ لها رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- ويقول: (ما التفت يميناً ولا شمالًا إلاَّ وأنا أراها تُقاتلُ دوني) [5] .
وهاهي أسماءُ عندما هاجرَ أبُوها مع رسولِ اللهِ، سَألها الخبيثُ أبُو جهلٍ عنهُ، وقد صفَعَها على وجهِهِا، فيطيرُ قِرطها من أُذُنها، وهي مُصِرَّةً على قولها: واللهِ لا أدري أينَ ذهبَ أبي [6] .
لقد كانوا يشعُرونَ مِن رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- إنَّهُ صاحبُ رسالةٍ، وصاحبُ الرسالةِ يجب أن يفدى بالمال والنفس والولد .
ولقد كانوا يشعُرونَ مِن رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- إنَّهُ صاحبُ رسالةٍ، وصاحبُ الرسالةِ لم يكن ليسعى إلى جاهٍ ولا مالٍ ولا سيادة، ، فحينَ جاءَتهُ كلَّ هذهِ معقودةً بألويتهِ الظافرةِ رفضها جميعاً، وعاشَ حياتَهُ حتى اللحظةَ الأخيرةِ، الأوابُ المنيب ، لم يتراجع عن أهدافه وأخلاقه التي رسمها في حياته قيدَ شعرة، ولم يَخلفْ موعِدهُ مع اللهِ في عبادةٍ ولا في جهاد .
فلا يكادُ النصفُ الأخيرُ من الليلِ يبدأُ حتى ينهضَ قائماً، فيتوضأَ ويظلُ كما اعتادَ أبداً يُناجي ربَّهُ حتى تورمت قدماهُ وهُو يبكي، ويُصلي ويبكي [7] .
تراكمتِ الأموالُ بين يديهِ تِلالاً فلم يتغير، ولم يأخذ منها إلاَّ مِثلَمَا يأخذُ أقلُّ المسلمين شأناً ، وأكثرهم فقراً، ثُمَّ مات ودرعهُ مرهونة [8] ..!
دانتِ البلادُ كُلَّها لدعوتهِ، ووقفَ أكثرَ ملوكِ الأرضِ أمامَ رسائِلِهِ التي دَعاهم بها إلى الإسلام، وجِلِينَ ضارعين، فما استطاعت ذرةٌ من زُهوٍ وكبرٍ أن تمرَّ بهِ ولو على بعدِ فراسخ، بل كانَ يمشي- صلى الله عليه وسلم- مع الأرملةِ والمسكينِ والعبد، حتى يقضي حاجته [9] !!
وما مات صلى الله عليه وسلم حتى حطمه الناس ..فهو الذي يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ..وهو الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة ..ولم ينس أمته ..مع شدة آلم الموت وسكرته ..فهو يوصيها بما ينجيها من عقوبة الله وناره وجحيمه وأغلاله ..صلى الله عليك يا رسول الله صلاةً دائمةً ما تعاقب الليل والنهار، ونسألُ الله جلَّ جلالهُ أن نكونَ من أنصارِ دينهِ، وحُماةَ عقيدتهِ وحُرَّاس ملته .
بارك الله لي ولكم بالقرآن ...
الخطبة الثانية