فهرس الكتاب

الصفحة 8235 من 9994

إن ميزان الآخرة يُعطيك وصفًا دقيقًا لميزان الدنيا، من عرفَ الآخرة عرف الدنيا، من عرف الآخرة وقدْرَها وما أعدَّ الله من النعيم لعباده المؤمنين عرفَ قدر الدنيا وأنَّها لا تُساوي عند الله جناحَ بعوضة (6) ، لكن من لم يعرف إلاَّ دنياه ظنَّ أنَّ الدنيا هي كل شيءٍ فعمل لها فقط.

إنَّ الإنسانَ إذا عرف قدرَ هذه الدنيا أعطاها حقها، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ لمّا سئل وقيل له: يا رسول الله، أنت رسول الله، وكسرى وقيصر يعيشون في النعيمِ، وأنت يُؤثِّرُ الحصير في جنبك!! فيقولُ الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا » (7) هذه صورة مُصغرةً للدنيا.

الواحدُ منا إذا سافر هو والعائلة فيَمُرُ على مكانٍ ويجلسُ فيه ساعة، ثم يقوم عن هذا المكان الذي يجلسُ فيه، فهل يحزنُ أو يفرحُ من أجله؟!

قد يكون مكانًا ممتازًا، وعنده ماء وعشب، أو أنَّه مكانٌ وَعِرٌ، لا يحزنُ عليه، ولا يفرح به؛ لأنَّه لن يقيم فيه، لأنَّه سيجلسُ فيه ساعةً ثم يذهب ويتركه.

الدنيا صورةً مُصغرةً لهذه الوقفة في سفرك، فلماذا تحزن عليها؟! لماذا تتكدر نفسك من أجلها؟! لماذا تعادي من أجلها وتوالي من أجلها؟! لماذا يشتد غضبك ويرتفع الضغط عندك لأجل دنيا دنية؟!

إذا عرفت قدرها عرفت أنها لا تساوي شيئًا، ملوك كان لهم من الملك والسلطان العظيم رحلوا وتركوها، أصحابُ أموالٍ كانوا يملكون المليارات مضوا في هذه الدنيا، وما أشبع واحدٌ منهم ما يزيدُ على بطنهِ كل يوم، لكن رحلوا وتركوها.

فاعرف قدر الدنيا، واعرف قدر الآخرةِ تتسعُ نفسك، وتنفسحُ أمامكَ الحياة، حياةُ الأمل، حياةُ الرضا بالله، حياةُ السعادة الحقيقية بعملِ الصالحات.

فواللهِ لن تكون هذه السعادة بأن تطلب الدنيا بالمالِ، أو بالجاه، أو بغير ذلك من أمور الدنيا؛ لن يحصلَ لك سعادة إلاَّ أن تطلبها بالعمل الصالح الذي تجدهُ عند ربك يوم القيامة.

فتَعلَّم من مدرسةِ اليوم الآخر، مدرسةٌ لك تعيشُ معك إلى آخر العمر.

اسألُ الله تبارك وتعلى أن يوقظَ قلبي وقلوبكم للإيمان بالله واليوم الآخر، وأن يجعلنا ممن يُثبَّتُ بالقول الثابتِ في الحياة الدنيا وفي الآخرة،.. وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين..

من حكمة الله في هذا التكليف الدنيوي أن يكون له متممٌ ومكمِّل في الآخرة.

فالناسُ يعيشون في هذه الحياة الدنيا، وكلُّ واحدٍ منهم يوجد

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدهُ ونَستعينُهُ ونستغفره، ونعوذ بالله مِنْ شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مِنْ يَهدِه اللهُ فَلَا مُضل لَهُ، وَمَنْ يُضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ? [آل عمران: 102] .

?يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا? [النساء: 1] .

?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا? [الأحزاب: 70، 71] .

الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم، واهتدى بهداهم، واقتفى أثرَهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

فالحديثُ في السنوات الأخيرة تكرر حول عنوان كثيرًا ما يظهر؛ إما في عناوين الكتب، أو في الطُّرُوحات الأخرى؛ كالمجلات والصحف والوسائل الإعلامية، وهذه الطُّرُوحات المتنوعة المتعددة كثيرًا ما تتحدث عن هذه القضية التي سنعرض لجانب منها؛ ألا وهي:"العولمة"، وسنُرَكِّز عليها في إطار"نَظراتُنا لها من خلال المنهج الإسلامي".

تعريف العَوْلَمة

إنَّ العولمة من خلال تعريف سهل ميسر هي: جَعْلُ العالَم واحدًا.

فهي مُشتقَّة من العالَم؛ فهي تَفاعُل وانْفِعالٌ يقصد إلى جَعْل العالَم واحدًا في تَوَجُّهاتِه وأحواله الفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

وهذه الدعوة التي اتَّخَذت اسم"العولمة"لا تقتصر على الطَّرْح الفكري أو الإعلامي فقط، وإنما تُمَارس الطَّرْح العملي في حياة الأمم والشعوب، ويُهِمُّنا نحن المسلمين أثرها ومؤثراتها علينا وعلى ديننا وعقيدتنا وأخلاقنا.

ونحن نعلم بادئ ذي بَدْء أَنَّ الإسلام نفسَه دِينٌ عالَمي، فلو استَعَرْنا المصطلح لَقُلْنا: إنَّ دِين الله سبحانه وتعالى يسعى إلى عولَمةِ العالَم، لكنْ من خلال أصول تُسْعِد الإنسانَ في الدنيا والآخرة، من خلال منهج رباني دَعَت إليه رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ومِن ثَمَّ فتاريخ الرُّسل وعقيدتهم ومنطلقاتهم واحدة، فَلَمَّا خُتِمت الرسالات بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم جعلها الله للعالمين جميعًا: ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا? [سبأ: 28] ؛ ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ? [الأنبياء: 107] .

وبالفِعْلِ انْطَلَق الصحابة رضي الله عنهم ومَن بعدهم مَشْرقًا ومَغرِبًا، ينشرون دين الله سبحانه وتعالى، حتى إنهم لَمَّا قابلتهم البحار قال قائلهم: لو أنني أعلم أن بلادًا خَلْف هذا البحر لركبتُ إليها ؛ ماذا يقصد؟!!

إِنَّه نشرٌ لدين الله سبحانه وتعالى، وإخراجٌ لهم من النَّار إلى الجنة، ومن عبودية العباد إلى عبودية رب العباد تبارك وتعالى، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

ومِنْ ثَمَّ فمِثل هذه الدعوة بمجردها تَطْمَح إليها جميع الأمم؛ فالشيوعية حاولت أن تكون عالمية ولكنها جُوبِهت، والاستعمار الحديث - وأعني به في القرن الماضي - حاول أن يَفرض نفسه على العالم كله، لكنه واجَهَ مقاومات وفشل إلى حد كبير، فالمحاولة الأخيرة التي نعيشها في السنوات الأخيرة هي محاولة ضمن تاريخ ونُسُق عاشته قوى وأمم أرادت أن تفرض فِكْرَها وعقيدتها وأخلاقها ونظام حياتها فيمن تستطيع أن تفرضها عليه.

خُطُورةُ العَوْلَمة في وَاقِعِنا المُعَاصِر

وأَخْطَرُ ما في العولمة التي نعايشها في هذه السنوات الأخيرة أنها قامت على خمسة أَذْرُع، وهذه الأذرع في الحقيقة أدَّتْ إلى ما نعايشه اليوم من خطر أحسَّتْ به غالبيةُ الدول؛ إسلاميةً كانت أو غير إسلامية، لكنَّ الإحساس بالخطر كان من جانب المسلمين أكبر لأمر؛ وهو أن هذه العولمة وإنْ وُجِّهت إلى دول العالم كلها؛ إلا أنها موجهة إلى العالم الإسلامي بشكل واضح وصريح.

العَوْلَمة وأَذْرُعُها الخَمْسة!!

الأول:"الذراع العسكري".

ويُقْصَد به القوة العسكرية الضاربة التي تريد أنْ تَفرض العولمة من خلال هذه القوة، وقد سمَّاها بعض رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية من عشر سنين بـ"العصا الغليظة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت