عباد الله: بالمالِ الحلال يصونُ الرجلُ نفسه عن مدارةِ متكبرٍ متعاظم ، أو بطر جاهل، وبالمال الحلال يستطيعُ المرءُ أن يفعلَ المعروف ويأمر به وينهي عن المنكر ويُحَذّر منه، وواللهِ لسفُّ التراب أحسن من أن يُستذل المرءُ ، أو يبيع دينه بعرض من الدنيا .
قال عمر الفاروق أمير المؤمنين رضي الله عنه: ( مكسبةُ في دناءة خيرٌ من سؤال الناس ) .
وكان سعيد بن المسيب رحمه الله يتاجر بالزيت ويقول ( والله ما للرغبة في الدنيا ولكن أصونُ نفسي وأصل رحمي ) .
وبالمال الحلال استطاع المهاجرون أن يزاحموا اقتصاد كفرة أهل الكتاب وأن يجعلوا المال مالاً إسلامياً وهذا له أثره في نصر الإسلام وحماية اقتصاده ولذلك صارَ لأموال عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وأبي بكر وغيرهم أثرٌ عظيم في الجهاد في سبيل الله .
أيها المسلمون: إن القعود عن العمل والركون إلى الدعة والكسل يُعَدُّ مطعناً في الرجل
قال عمر رضي الله عنه: (إني لأرى الرجل فيعجبني شكله فإذا قيل لا عملَ له سقط من عيني) .
إن الإسلام يريد لأهله أن يكونوا أغنياءَ أقوياء ، لا مهازيل ضعفاء عالةً على الناس ، وما أسعد الرجل المسلم حين يعتدل أمامَه طريقُ الحياة فيعمل بعرق جبينه فيزكيه هذا العرق ويطهرهٌ من الذلة والذنب ومن العجز والكسل وهما ما تعوّذ منه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (( اللهم أعوذ بك من العجز والكسل ، والجبن والهرم والبخل ) ) [4]
كما تعوذ صلى الله عليه وسلم من الفقر وشر الغنى .
ومما أوصى به قيس بن عاصم أولاده: (عليكم بالمال واصطناعه فإنه منبهةُ الكريم، ويستغنى به عن اللئيم وإياكم والمسألة فإنها آخر كسب الرجل) .
وفي صحيح البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمةٍ من حطب على ظهرة فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس: أعطوه أو منعوه ) ).
وإن من الخطورة بمكان أنْ يُسَبِّبَ تركُ الكسب والعمل والفراغ السطو والسرقةٍ وأخذ ممتلكات الغير، ليتحول المرء من جاد كادح إلى لصٍ لئيم ، ومقتدٍ أثيم ، يأكل الحرام ، ويروّع .
من العمال والموظفين ، والتجار والمقاولين وغيرهم:
حق عليكم تحري الحلال والبعد عن المتشابه والحرم، احفظوا حقوق الناس أنجزوا أعمالهم أوفوا بالعقود والعهود، اجتنبوا الغش والتدريس والمماطلة والتأخير واتقوا الله جميعاً في أنفسكم وفي أولادكم لا تطموهم الحرام فإنهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على حر النار ، وكل جسد نبت من سحت فا النار أولى به .
اللهم أغننا عمن أغنيته عنا، ولا تجعل بنا إلى لئيم حاجة، وأفقر عبادِك إليك يا غني ويا حميد.
[1] رواه البخاري .
[2] رواه أحمد .
[3] رواه مسلم .
[4] رواه البخاري ومسلم .
الحمد لله ؛ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، وألزم عباده بما أنزل من الهدى ، أحمده على ما أرشد وهدى، وأشكره على ما أسدى وأعطى ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ إليه ترفع النجوى، وهو منتهى كل شكوى، وإليه المآب والرجعى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، العبد المجتبى، والنبي المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ، ومن تبع هديهم واقتفى.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - وأطيعوه ، وأدوا ما عليكم من الأمانات ، وتخلصوا من الحقوق ؛ فإنكم عند ربكم موقوفون ، وعلى أعمالكم محاسبون ، وعن أماناتكم مسئولون (( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ) ) (الحاقة: 18) .
أيها الناس:
من حكمة الله تعالى في خلقه أن جعل تناسلهم وتكاثرهم بالمزاوجة بين ذكورهم وإناثهم ، وتلك سنة عامة في الإنسان والحيوان والطير والحشرات وغيرها ، ولو شاء سبحانه لكاثرهم بغير هذه الطريقة، ولكن إرادته سبحانه اقتضت المزاوجة بين النوعين ، وفي ذلك من الحكم ما نعلمه وما لا نعلمه (( وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ) (الذاريات: 49) .
(( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ) (الملك:14) .
(( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) ) (الفرقان:2) .
والنوع الأقوى دائما هو الذكر ، والأنثى هي الأضعف في كل مخلوقات الله تعالى ، وكل نوع منهما محتاج إلى الآخر، ولا تستقيم الحياة على الأرض إلا باتفاقهما وتزاوجهما.
ولما كانت المرأة أضعف من الرجل كانت مستضامة عند كل الأمم الضالة من فجر التاريخ إلى يومنا هذا، وكان العرب في جاهليتهم يئدون البنات ؛ لأنهن لا يمتطين الجياد ، ولا يقاتلن الأعداء ، ولا يكتسبن المال، ولا يدفعن عن أنفسهن أي اعتداء ؛ فرآهن أهل الجاهلية عبئا وعارا (( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) ) ( التكوير: 8-9) .
وإزاء هذا الضعف في المرأة الذي اتسمت به خلقتها ، واستبيح بسببه حماها ، وسلب منها حقها؛ جاء الإسلام بما يعزز موقفها ، ويعلي مكانتها ، ويحفظ لها حقها.فعاب الله تعالى على أهل الجاهلية نظرتهم للبنات ، وشؤمهم منهن (( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) ) (النحل: 58-59) .
وأفضل الخلق، وأزكى البشر ، وخاتم الرسل عليه الصلاة والسلام ما عاش له من الولد إلا البنات ، وذلك من أعظم الفخر للبنات ، وفيه تسلية لمن لم يرزق من الولد إلا هن.
ولما كان البنات هن الأضعف، وأكثر الناس يستبشرون بالأبناء أكثر من استبشارهم بالبنات؛ فإن الشريعة الغراء رتبت من الأجور العظيمة على رعاية البنات ، ورحمتهن والإحسان إليهن أكثر مما جاء في حق الأبناء، واختصت البنات بنصوص كثيرة في ذلك ؛ فمن رزق بنات وأحسن تربيتهن ، والقيام عليهن ، نجّي من النار بسببهن بعد رحمة الله تعالى ، وحشر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وأدخله بناتُه الجنة ، وفي ذلك أحاديث كثيرة،
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار ) ).
وقال صلى الله عليه وسلم: (( من كان له ثلاث بنات وصبر عليهن وكساهن من جدته كن له حجابا من النار ) ).
وقال صلى الله عليه وسلم: (( ما من مسلم تدركه ابنتان فيحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة ) ).
وقال صلى الله عليه وسلم: (( من كان له ثلاث بنات يؤويهن ويكفيهن ويرحمهن فقد وجبت له الجنة البتة، فقال رجل من بعض القوم: وثنتين يا رسول الله ؟ قال:وثنتين ) ).
وقال صلى الله عليه وسلم: (( من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه ) ).
وكلها أحاديث ثابتة وبعضها في الصحيحين.
وكثير من الناس يحصر الإعالة والإحسان للبنات في الجوانب الحسية من المأكل والمشرب والملبس ونحوه، ويغفل جوانب العطف والحنان، والحاجات القلبية والنفسية، من الجلوس معهن، والتبسم لهن، والحديث إليهن، والإنصات لحديثهن، وتلمس حاجاتهن، ومعالجة مشاكلهن، حتى تسربت إلى بعض الناس عادات أهل الجاهلية فلا يأكل مع نسائه وبناته ، ويرى أن ذلك مناف لرجولته، قادح في شخصيته، ولا يحظى بمجالسته ومؤاكلته ومباسطته إلا الذكور من ولده دون الإناث ، وهذا من التفرقة بين الأولاد، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) ) [1] .