والعدل في هذا واجب مثل العدل في النفقة إن لم يكن أهم وأولى من العدل في النفقة ؛ لمسيس حاجات البنات لمثل هذا النوع من الإحسان والرعاية.
وما ضُحك على كثير من بنات المسلمين حتى وقعن في المعصية والعار إلا بعد خلوّ بيوتهن من تلك الرعاية ، فبحثن عنها في غير بيوت آبائهن ، فاصطادهن ذئاب لا يرقبون في حرمات المسلمين إلاًّ ولا ذمة، فكان من أمرهن ما كان.
ومن الخطل في الرأي، والخطأ في الفهم ، أن يظن ظان أن هذا الأجر العظيم في رعاية البنات وإعالتهن الذي أخبرت به الأحاديث يناله من قصَّر في تربية بناته على أحكام الشريعة ، أو فتح لهن أبواب المعصية ، فلا علمهن أحكام الحيض والطهارة، ولا أمرهن بالصلاة والطاعة، ولا بين لهن أهمية العفاف والطهر والحصانة، ولم يراقب حجابهن، ولا يبالي أي لباس يلبسن، ولا يسأل: مع من كن وأين ذهبن ؟ وقد ملأ بيته بأنواع من الموبقات التي توبق بناته وتهلكهن ، من فضائيات ساقطة، وأشرطة ماجنة، ومجلات هابطة ، تثير الشهوات ولا تشبع العواطف ، وتحرك الغرائز ولا تنمي العقول، وتدعو إلى المعاصي، بل تؤصل للمعصية والكفر بشعارات براقة ، وعناوين خادعة من الحرية الشخصية، والحب خارج إطار الزوجية ، وغير ذلك مما غزا أكثر البيوت، وفتك بقلوب كثير من بنات المسلمين.
أَوَ يظن مسلم أن يحظى بهذا الأجر في إعالة بناته وقد أشبع بطونهن وأهمل عقولهن ، وألهب غرائزهن ولم يشبع عواطفهن، قد اهتم بأمور دنياهن ولم يبال بأعمال أخراهن!!
كيف يظن مسلم ذلك وهو يرى أن هذه الأحاديث ذكرت أوصافا لمن يستحق ذلك من أولياء البنات، ففي حديث قال عليه الصلاة والسلام: (( فيحسن صحبتهما ) ).
وفي الحديث الآخر: (( يؤويهن ويكفيهن ويرحمهن ) ).
فهل أحسن صحبتهن من ضيع عليهن الدين واكتفى لهن بالدنيا ، وهل رحمهن من جلب لهن أسباب العذاب والنار في الآخرة؟! وتأملوا قوله عليه الصلاة والسلام ( يؤويهن ويكفيهن ) والإيواء والكفاية لها قدر محدد، لا ينزل عنه فيحتجن إلى غيره وهو أبوهن وراعيهن، ولا يتعداه فيفسدهن ويبطرهن، فإن قصر عن هذا الحد ما كان مؤويا لهن ولا كافيا ، وإن تجاوزه إلى السرف والترف مما يحل وما يحرم فقد انتقل من الإيواء والكفاية إلى الطغيان والإفساد، وكلا الوجهين مذموم.
فإذا عمل فيهن بشرع الله تعالى، وقام عليهن خير قيام حتى يزوجهن بالأكفاء فقد أدى الأمانة ، والتزم الديانة، واستحق بإذن الله تعالى ما رتب على رعاية البنات من أجور عظيمة.
ومن أعظم الظلم، وأكبر البغي، وأشد أنواع القسوة أن يحرم بناته من حق قد قضاه الله تعالى لهن كما يفعله من يفعله من جهلة الناس، وجفاة الرجال بحرمون بناتهم من الميراث، أو التحايل لإسقاطه قبل موته بأن يسجل أملاكه باسم أبنائه دون بناته ، ومن فعل ذلك فقد ختم حياته بخاتمة السوء، ولقي الله تعالى بظلم عظيم لبناته، وقد خلقهن الله تعالى ضعافا، وأوصى بهن، فضيع بجهله وعصبيته وصية الله تعالى فيهن، وانحاز إلى الأقوياء من ولده وأعطاهم حق الضعفاء ، ولعله لا يحسن إليه في كبره وضعفه ، ولا يدعو له في قبره إلا بناته.
وأعظم ظلما من ذلك أن يعضل بناته، فلا يزوجهن الأكفاء من الرجال إما عصبية لعشيرته؛ فبناتهم لا تُزوج من غير أبناء العشيرة، وليس في عصبته كفؤ يرضاه عاقل لابنته، فإما زوجها بغير كفء لها فظلمها ، أو تربص إلى أن تنتج عشيرته كفئا لها وقد يأتي وقد لا يأتي حتى يشيب رأسها .
أو كان أبوها مريضا بالعظمة فيرد عنها الخاطبين لأنهم لم يملئوا عينه، ولا أحد يملأ عينه؛ لأن العلة فيه لا فيهم، والرجل العاقل لا يطلب المعالي في تزويج بناته، بل ينشد سترهن وسعادتهن .
أو يمنعها الزواج لأنه أهداها في صغرها لأحد أبناء عمه وهي لا تريده ، فيركب رأسه لئلا يقال: قد رضخ لرأي النساء، فيعذب نفسه وابنته لعزة يتوهمها وهي عين الذل والإهانة ؛ إذ كيف يبتزه الآخرون في بناته ، فلا رأي له فيهن بل الرأي رأيهم .
أو يمنعها الزواج يريد بيعها لذوي المال والجاه كما تباع السلع ، حتى إذا قبض ثمنها، وقضى الغني حاجته منها؛ رمى بها مهانة ذليلة حزينة ، فهل هذا أب يرحم ؟! كيف ومهرها مهما بلغ حق لها لا لأبيها، ولها أن تتنازل عما شاءت منه لزوجها ؟!
أو كانت تعمل ويأخذ أبوها أجرها فيحبسها ، ويرد الأكفاء عنها لأجل ذلك.وربما كان صفيق الوجه، قليل الحياء، يعلل فعلته الشنيعة في بناته بما مضى من نفقتهن ، ويمن عليهن بحق أوجبه الله تعالى لهن، فيحرم بناته أعظم لذة في الدنيا وهي الزواج وطلب الولد ، وقد تمتع هو من قبل بهذه النعمة، فأي أنانية تلك ، وأي قلوب قدت من حجر قلوب هؤلاء الآباء.
وإذا خطبها خاطب وجب على أبيها أن يتحرى عنه ، ويسأل عن دينه وأخلاقه، ثم يعرض الأمر عليها إن كان الخاطب مما يرضى دينه وأخلاقه ، ولا يكرهها عليه ، فالحق لها ، والقول قولها ، وهي من تتحمل نتيجة اختيارها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا: يا رسول الله ، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت ) ) [2] وقد ذكر الفقهاء أن البنت إن رغبت في كفء بعينه ، وأراد أبوها تزويجها بغيره من أكفائها، وأبى تزويجها من الذي أرادته كان عاضلا لها، فأما إن طلبت التزويج بغير كفئها في دين أو خلق فله منعها من ذلك، ولا يكون عاضلا لها بهذا.
وإذا رأى الرجل عزوفا من بناته عن الزواج لأجل الدراسة أو الوظيفة ذكرهن بالله تعالى، ووعظهن بكتابه ، وبين لهن خطورة رد الأكفاء من الرجال، وأخبرهن أن الواحدة منهن إن ردت كفئا يرضى دينه وخلقه فقد تعاقب بالحرمان من مثله؛ حتى لا يأتيها مستقبلا إلا غير كفء، وإذا عرف عند الناس أن آل فلان يردون الأكفاء عن بناتهم أحجموا عنهم ، وهذا واقع مشاهد، وكم راح ضحيته كثير ممن يرغب الشباب في مثلهن من بنات الناس لولا هذا التصرف الخاطئ؟!
وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ) ).
فمن يرضى من الآباء، ومن يرضى من البنات أن تكون سببا من أسباب الفتنة في الأرض والفساد العريض.
والوظيفة والدراسة ليست تمنع من الزواج ؛ إذ ستجد من يقبلها مع وظيفتها ودراستها، ولو قدر التعارض في ذلك قدمت مصلحة زواجها على وظيفتها ودراستها ؛ لأنه بزواجها ينفق عليها زوجها فلا تحتاج إلى الوظيفة ، لكن إن فاتها الزواج لكبرها ، ورغبة الرجال عنها ، لم تهب لها وظيفتها زوجا وولدا.
وإذا طلقت البنت وعادت إلى بيت أبيها فلا يحلُّ له أن يعيرها بطلاقها، ويجب عليه أن يحسن إليها؛ حتى يجعل الله تعالى لها سبيلا برجل آخر، فإن خرجت من عدتها، وعاد إليها مطلقها يريد نكاحها مرة أخرى فالقول قولها، فإن أرادته فليس لأبيها أن يمنعها منه بحجة أنه طلقها المرة الأولى، وفي مثل هذه الصورة نزلت آية العضل ؛ كما روى البخاري عن الحسن البصري رحمه الله تعالى في قول الله تعالى: (( فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ) ) ( البقرة: 232) .
(( قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه قال: زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له زوجتك وأفْرَشْتُك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله هذه الآية (( فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ) ). فقلت:الآن أفعل يا رسول الله ، قال: فزوجها إياه) .