وهذه شكوى قديمة أشار إليها ابن عباس حين قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله قال: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجا وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجاً، عصيت ربك وبانت منك امرأتك، وإن الله قال: يأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ في قبل عدتهن.
والأمر الثاني الذي يجب العلم به: أن الطلاق إذا وقع بطلقة واحدة وهو المطلوب فإن الزوجة تعتد حسب حالها، وللزوج مراجعتها ما دامت في عدتها، والرجعة تحصل القول وبالفعل، فيبقى مع الزوج وقت آخر للتروي والنظر وإمكان المراجعة في ذلك القرار المتخذ، وهو وقت ليس بالقليل، لعل الزوج أن يراجع نفسه ويتذكر عشرته مع زوجه التي طلقها، وعساه أن يدرك معاناة أولاده وصغاره.
وثالث هذه الأحكام أن نعلم أن المطلقة تعتد في بيت زوجها، ولا يجوز إخراجها منه، استمعوا إلى هذه الآية الكريمة واعتبروا بما فيها من الحكمة والرحمة بالزوجين والشفقة بهما وبما يجره عليهما الطلاق من الأثر، وتأملوا ما فيها من النهي عن تعدي حدود الله لا سيما في الطلاق يأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً [الطلاق:1] ، يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: عن ابن عباس في قوله تعالى: فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، وقوله تعالى: لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ أي في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضاً الخروج لأنها معتقلة لحق الزوج أيضاً، إلى أن قال رحمه الله: وقوله تعالى: لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً أي إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق الله في قلبه رجعتها، فيكون ذلك أيسر وأسهل. انتهى كلامه رحمه الله.
أما في حال الطلاق الثلاث فلا تبقى المطلقة في بيت زوجها لكونها لا تحل له إلا بعد زوج. أخرج النسائي عن فاطمة بنت قيس قالت أتيت النبي فقلت: أنا بنت آل خالد، وإن زوجي فلاناً أرسل إلي بطلاقي، وإني سألت أهله النفقة والسكنى، فأبوا علي، فقالوا: يا رسول الله إنه قد أرسل إليها بثلاث تطليقات فقال رسول الله: (( إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة ) ).
أرأيتم يا عباد الله ما في تشريع الطلاق من الرحمة والحكمة إن هو وقع كما شرع الله تعالى، ومن تعدى حدود الله فيه ندم وأثم وتعرض للوعيد وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
فالوفاء الوفاء يا معشر الرجال، ومن الوفاء أن يكون الطلاق في حال إيقاعه طلاقاً شرعياً وفق السنة، فربنا سبحانه يقول بعد آية الطلاق السابقة: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ـ أي قاربت العدة على الانقضاء ـ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ـ أي بحسن صحبة ـ أو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ـ أي من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف، بل يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن، كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى.
نسأل الله تعالى الفقه في الدين والحسن في الخلق والمعاشرة، والحمد لله رب العالمين.
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-بمعرفة كل من الزوجين الحق الواجب عليه تستقيم الحياة الزوجية. 2- مراحل تأديب المرأة. 3- الطلاق أبغض الحلال إلى الله وإنما شرع للحاجة الملحة. 4- ضبط الإسلام الطلاق من حيث زمن التطليق وعدد الطلقات. 5- فرح إبليس بالتفريق بين الزوجين. 6- يحرم على الرجل إخراج الزوجة المطلقة من بيته حتى تنقضي عدتها. 7- حرص الشيطان على إغواء الإنسان بتزيينه للباطل. 8- بعض الناس يتخذون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة للإفساد في الأرض.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، يقول الله جل وعلا مبيناً حق كل من الزوجين على صاحبه: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228] ، فبين تعالى أن على الزوج واجباً نحو امرأته, وأن على المرأة واجباً نحو زوجها.
عندما يتصور كل من الزوجين هذه الواجبات أو هذا الواجب حق التصور, ويؤدي كل منهما الواجب عليه نحو صاحبه, عند هذا تستقيم الحياة الزوجية, وينتظم البيت, وتعيش الأسرة هناء وطمأنينةً وسكينة, ويتفرغ كل منهما للقيام بالحق الواجب عليه.
فالرجل عندما يتصور حقاً أنه راعٍ على امرأته والله سائله عنها, أنها أمانة عنده والله سائله عن تلكم الأمانة, أن المرأة بمنزلة الأسير عنده, فهو مطالب بواجب النفقة سُكنى وكسوة وسائر النفقات, ومطلوب منه أن يعاشرها ويعاملها بالمعروف, حسن خلق ولين جانب وتعامل حسن.
المرأة أيضاً تتصور هذا الواقع فتعلم أن بعقد النكاح أصبحت تبعاً لزوجها, وأن الواجب عليها القيام بحقه, السمع والطاعة له بالمعروف, عدم المخالفة, القيام بالحياة الزوجية.
فإذا عرف كل واجبه, وأدى كل واجب عليه فإن الحياة الزوجية تكون حياة طيبة مطمئنة, تسودها المحبة والمودة والوئام, وينشأ النشئ في ظل ذلك التعاون المبارك, وإنما تصاب الحياة الزوجية بما تصاب به عندما يضعف أداء كل من الواجب عليه, فيقصر الرجل في حق المرأة, يقصر في كسوتها, في مسكنها, في النفقة عليها, يسيء عشرتها, يخاطبها بأسوأ خطاب, لا يتحمل خطأها, يعاقب عند كل زلة, ويعاقب عند كل هفوة، فهو لا يعرف جميلاً, ولا يحتفظ بأعمال طيبة, وعندما يكون ذلك من المرأة فتسيء الخلق, ولا تسمع, ولا تطيع أو غير ذلك, تدخل الأهلون من قبل الزوج أو قبل الزوجة, فإن تدخلهما وإشعالهما نار الفتنة بين الزوجين مما يقوض سلامة البيت وطمأنينته.
أيها المسلم، إن الإسلام حريص على انتظام الحياة الزوجية واستمراريتها، ولذا أرشد الزوج عندما يشعر من المرأة بتقصير لقوله: وَاللَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً [النساء:34] .
فأمر بالموعظة, والذكرى تنفع المؤمنين, يعظها ويذكرها الله, ويخوفها من عصيان زوجها, فإن يكن فيها خير وإيمان ردعها إيمانها أن تستمر على الخطأ, وهجرها في الكلام, وهجرها في المضجع, فعسى الهجر أن يذكرها ويأدبها, وإما بأدب الضرب بضرب غير بمرح, وإنما أدب يكفي في ذلك. فإن تأزمت الأمور شرع حكمان يأتيان من قبل المرأة والزوج ليقوّما الوضع بين الزوجين وأسباب الخلاف وهل يمكن تلافي ذلك الخلاف أما لا؟ كل هذا حرص على استمرار النكاح وعلى انتظام الحياة الزوجية.