فهرس الكتاب

الصفحة 2603 من 9994

#الحساب

إن من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها - الحساب- ومعناه أن الله - سبحانه وتعالى - سيعدد على الخلق أعمالهم من إحسان وإساءة، ويعدد عليهم نعمه، ويشمل الحساب ما يقوله الله لعباده، وما يقولونه له، وما يقيمه عليهم من حجج وبراهين، وشهادة الشهود، ووزن الأعمال.

والحساب منه العسير، ومنه اليسير، ومنه التكريم، ومنه التوبيخ والتبكيت، ومنه الفضل والصفح، ويتولى ذلك أكرم الأكرمين1.

ولنعش سوياً مع الإمام القرطبي - رحمه الله -حيث يصور لنا مشهد الحساب فيقول: فإذا بعثوا - أي العباد- من قبورهم إلى الموقف، وقاموا فيه ما شاء الله، حفاة عراة، وجاء وقت الحساب الذي يريد الله أن يحاسبهم فيه، أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون، بذكر أعمال الناس فأتوها، فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه، فأولئك هم السعداء، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله أو وراء ظهره، وهم الأشقياء، فعند ذلك يقرأ كل كتابه؛ وأنشدوا:

مثل وقوفك يوم العرض عرياناً ... ... مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا

والنار تلهب من غيظ ومن حنق ... ... على العصاة ورب العرش غضبانا

اقرأ كتابك يا عبدي على مهل ... ... فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا

لما قرأت ولم تنكر قراءته ... ... إقرار من عرف الأشياء عرفانا

نادى الجليل خذوه يا ملائكتي ... ... امضوا بعبد عصى للنار عطشانا

المشركون غداً في النار يلتهبوا ... ... والمؤمنون بدار الخلد سكانا

فتوهم نفسك - يا أخي- إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، وقد نوديت باسمك على رؤوس الخلائق: أين فلان بن فلان؟ هلم إلى العرض على الله - تعالى-، وقد وكلت الملائكة بأخذك، فقربتك إلى الله، لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك واسم أبيك، إذا عرفت أنك المراد بالدعاء، إذا قرع النداء قلبك، فعلمت أنك المطلوب، فارتعدت فرائصك، واضطربت جوارحك، ونغير لونك، وطار قلبك؛ خطى بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم، وأنت في أيديهم وقد طار قلبك واشتد رعبك لعلمك أين يراد بك.

فتوهم نفسك وأنت بين يدي ربك في يدك صحيفة مخبرة بعملك لا تغادر بلية كتمتها، ولا مخبأة خبأتها، وأنت تقرأ فيها ما فيها بلسان كليل، وقلب منكسر، والأهوال محدقة بك من بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكركها، وكم من سيئة قد كنت أخفيتها قد أظهرها وأبداها، وكم من عمل أملك فيه عظيماً، فيا حسرة قلبك ويا أسفك على ما فرطت فيه من طاعة ربك {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} فعلم أنه من أهل الجنة {فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ} وذلك حين يأذن الله فيقرأ كتابه.

فإذا كان الرجل رأساً في الخير يدعو إليه ويأمر به ويكثر تبعه عليه، ودعي باسمه واسم أبيه فيقدم؛ حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض في باطنه السيئات وفي ظاهره الحسنات، فيبدأ بالسيئات فيقرؤها فيشفق ويصفر وجهه، ويتغير لونه، فإذا بلغ آخر الكتاب، وجد فيه هذه سيئاتك وقد غفرت لك، فيفرح عند ذلك فرحاً شديداً، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته، فلا يزداد إلا فرحاً شديداً، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته، فلا يزاداد إلا فرحاً، ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه، ويكسى حلتين، ويحلى كل مفصل فيه، وبطول ستين ذراعاً هي قامة آدم، ويقال له: انطلق إلى أصحابك فبشرهم وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا؛ فإذا أدبر قال: {هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاقٍ حسابية} قال الله: {فهو في عيشةٍ راضية} أي مرضية قد رضيها {في جنة عالية} في السماء {قطوفها} ثمارها وعناقيدها {دانية} أدنيت منهم، فيقول لأصحابه هل تعرفونني؟ فيقولون: قد غمرتك كرامة الله من أنت؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان يبشر كل رجل منكم بمثل هذا {كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية} أي قد متم في أيام الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت