فهرس الكتاب

الصفحة 2604 من 9994

وإذا كان الرجل رأساً في الشر يدعو إليه ويأمر به، فيكثر نبعه عليه، ونودي باسمه واسم أبيه، فيتقدم إلى حسابه فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرؤها ويظن أنه سينجوا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك وقد ردت عليك، فيسود وجهه ويعلوه الحزن، وتقنط من الخير، ثم يقلب كتابه فيقرأ سيأته فلا يزداد إلا حزناً ولا يزداد وجهه إلا سواداً، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك وقد ضوعفت عليك، أي يضاعف عليه العذاب، وليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل.. فينظر إلى النار وتزرق عيناه، ويسود وجهه، ويكسي سرابيل القطران، ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا فينطلق وهو يقول: {يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية} يعني الموت {هلك عني سلطانيه} .. {خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه} 2 . والله أعلم بأي ذراع.. وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فتخلع كتفه اليسرى، فتجعل يده خلفه فيأخذ بها كتابه، قال مجاهد: يحول وجهه في موضع قفاه فيقرأ كتابه كذلك.

فتوهم نفسك إن كنت من السعداء، وقد خرجت على الخلائق مسرور الوجه، قد حلّ لك الكمال والحسن والجمال، كتابك بيمينك، آخذ بضبعك ملك ينادي على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً.

أما إن كنت من أهل الشقاوة، فيسود وجهك، وتتخطى الخلائق، كتابك في شمالك أو من وراء ظهرك، تنادي بالويل والثبور، وملك آخذ بضبعك ينادي على رؤوس الخلائق: إلا أن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً 3.

ويصف ذلك الموقف الرهيب الإمام حافظ حكمي -رحمه الله - فيقول:

واحضروا للعرض والحساب ... وانقطعت علائق الأنساب

وارتكمت سحائب الأهوال ... وانعجم البليغ في المقال

وعنت الوجوه للقيوم ... واقتص من ذي الظلم للمظلوم

وساوت الملوك للأجناد ... وجيء بالكتاب والأشهاد

وشهدت الأعضاء والجوارح ... وبدت السوآت والفضائح

وابتليت هنالك السرائر ... وانكشف المخفي في الضمائر

ونشرت صحائف الأعمال ... توخذ باليمن والشمال

طوبى لمن يأخذ باليمين ... كتابه بشرى بحور عين

والويل للآخذ بالشمال ... وراء ظهر للجحيم

أخي الحبيب اعلم - علمني الله وإياك - أن الحساب يكون على أمور كثيرة منها:

1-الفرائض من صلاة وزكاة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال:"إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال يقول ربنا - جل وعز - لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم"4.

2-الدماء وسفكها بغير حق، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء""5."

وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركا أو يقتل مؤمنا متعمدا"6.

3-العمر والمال والجسم والعلم، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه"7.

4-النعم وشكرها، قال الله تعالى: { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} 8.وعن عبد الله بن الزبير بن العوام عن أبيه قال لما نزلت { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} . قال الزبير: وأي نعيم نسأل عنه وإنما هو الأسودان التمر والماء؟ قال أما إنه سيكون9.

5-الحواس واستعمالها، قال تعالى: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} 10.

6-المسؤولية والأمانة، قال تعالى: { وقفوهم إنهم مسؤولون } 11.

وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع عليهم وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"12.

7-الكلمة القبيحة، قال صلى الله عليه وسلم:"إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب"13.

وقال أحد الشعراء:

و ما من كاتب إلا ستبقى ... *** ... كتابته وإن فنيت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء ... *** ... يسرك في القيامة أن تراه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت