الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
مكر وكيد الكافرين الظالمين صورة أخرى نقف معها ؛ لنتبصر في ضوء القرآن والسنة الواقع الذي نعيشه بعد أن وقفنا في الجمعة الماضية مع صورة البغي والعدوان والظلم والطغيان ورأينا وصفهما في القرآن ورأينا مآلهما في آيات ربنا الرحمن ، وفي سيرة المصطفى العدنان - صلى الله عليه وسلم - رأينا إن البغاة الطغاة الذين اعتزوا بقوتهم واغتروا بما لديهم من كثرة عدد وعدة ووسائل أعلنوا غطرستهم ، وأظهروا هيمنتهم ، وداسوا - كما أشرنا - على القوانين ، وتجاوزوا كل المبادئ والأعراف الدولية أو البشرية أو الإنسانية !
إلا أنهم مع ذلك لهم مكر خفي ، وكيد عالمي ، يمكرون به ويكيدون للإسلام وأهله ، وكثيراً ما يروج هذا الكيد ، ويمر هذا المكر بغفلة وسذاجة من كثير من أهل الإسلام ، بل ربما تروج الحيل حتى يتبناها من بني جلدتنا والناطقين بألسنتنا من يروجون لها ، ومن يرون فيها حقاً وصواباً ، بل من يندفعون إليها متحمسين غير مدركين لتلك الألاعيب والحيل التي تسيّرها وتروّجها آلة إعلامية ضخمة ، تغير الحقائق ، وتجعل البريء - ليس متهماً - بل مدانا مجرماً ، وتجعل الباطل - ليس بريئاً ولا نزيهاً - بل هو الحق الناصع ، والعدل التام !!
وكذلك يستخدمون في المكر والكيد أساليب التجسس والاستخبارات ، وجمع المعلومات ، ورصد الصور ، وتسجيل الأصوات فيما يتتبعون به الأنفاس ويلاحقون به الناس شرقاً وغرباً ، ويذل لهم من يذل ، ويتوافق معهم من يتوافق ، ويغترّ بهم من يغترّ ؛ ليمضي الله أمره ، ويجري قدره ، ويظن القوم أنهم قد أحاطوا بكل شيء علماً ، وأنهم قد أحكموا لكل شيءٍ تدبيراً: { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [ الأنفال: من الآية30] .
لننظر إلى المكر والكيد - ونحن نعلم أنه يحيق بنا ويحيط بنا من سائر جوانب حياتنا ، وفي كل مجتمعاتنا ، وفي سائر ديارنا ، وفي جميع مجالات حياتنا حتى أراد ولا يزال يريد ويسعى أن يتلصص على الكتب التي يقرؤها أبناؤنا في المدارس ، بل يريد أن يدخل إلى عقر بيوتنا ليرى ما نتحدث به مع أبنائنا .. إنه مكر عظيم كبير .. إنه كيد خطير وجليل ، فهل يرعبنا ذلك معاشر المؤمنين ؟ وهل يفتّ في عضدنا معاشر المسلمين ؟ وهل يجعلنا في حيرة من أمرنا وفي شك من ديننا ؟ وهل يفعنا إلى أن نلتمس الخلاص منه في شرق أو غرب أو استعانة بهذا أو ذاك ؟ أو لين وذلّ لا يتفق مع الإسلام لأجل مداراة أو مداهنة ؟
انظر إلى هذه الحقائق نستجليها في الضوء الساطع المبين في كتابنا القرآن المبين ..
المكر هو: الخديعة والاحتيال ، وكما عرّفه بعض علمائنا في صورتين اثنتين نراهما بأم أعيننا في سائر هذه الأحوال ، إيصال المكره إلى الإنسان من حيث لا يشعر صورة من صور الكيد .
والصورة الأخرى: صرف الغير عما يقصده بحيلة .. نقصد كثيرا من الخير فيأتي الكيد ليرينا إياه على غير صورته ؛ فننصرف عنه إلى غيره ، ونظن أننا نحسن صنعاً ، وأننا نتقن عملاً !
وكثيرا ما يكون ذلك عن غير ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن ؛ فإن المؤمن كيّس فطن ، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، ورحم الله الفاروق عندما قال:"لست بالخب ولا الخب يخدعني"كم مرة دار هذا الكيد على أمة الإسلام ؟ وكم مرة تزخرفت ألوان المكر وتلونت وفي كل مرة يظهر لنا بصورة ويخرج علينا باسم ؟ ما أنكرناه بالأمس من هذا الطريق يجيئنا من طريق آخر فنرحب به ونقبله ولا نتعظ ولا نعتبر ، ولا ندرك الحقائق كما كشفتها آيات القرآن الكريم ، والذي أحب أن ننتبه له أن كل هذا المكر والكيد لا يغني عن أهله شيئاً ، ولا يضر أهل الإيمان إن صدقوا إيمانهم وأخلصوا إسلامهم شيئاً .
هذه صورة قرآنية لأولئك الكفرة الفجرة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، ويعيثون فيها فساداً وإن زعموا غير ذلك: { اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } [ فاطر:43 ] .
صورة قرآنية واضحة المعالم للمستكبرين في الأرض الطاغين المعتدين الظالمين: {اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ } [ فاطر: من الآية43] .
قال أهل التفسير ،كما ذكر السعدي في تفسيره:"المكر الذي مقصوده سيئ ومآله ومرامه سيئ"، هذا المكر السيئ عاقبته كما أخبر الله - سبحانه وتعالى - أنه لا يحيق إلا بأهله ، والإحاقة:"الإحاطة المتعذرة عن الامتناع"، ستكون العاقبة أن المكر يعود عليهم ، وأن الكيد يحيط بهم ، وأن من حفر حفرة لأخيه أو لعدوه أو لمن كان فإنه يقع فيها .