فهرس الكتاب

الصفحة 2280 من 9994

ومن كلام محمد بن كعب القرظي رحمه الله - من التابعين - قال:"ثلاث من فعلهن لم ينجح حتى ينزل به: من مكر أو بغى أو نكث"وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: { وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ } [ فاطر: من الآية43] .

وقوله: { إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ } [ يونس: من الآية23] .

وقوله: { فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ } [ الفتح: من الآية10] .

فهل نحن في شكٍ من قرآننا ؟ ينبغي أن نوقن بذلك لكن أن نعرف واجبنا ومهمتنا ، هل نبقى في لهونا ولعبنا وغفلتنا ؟ هل نستمر في غينا وضلالنا وفسادنا وإفسادنا ؟ هل نبقى نظن أو نحسن الظن بمن كادنا مرارا وتكراراً ؟ ومن ظهر على فلتات ألسنتهم معاقد ما في قلوبهم ، وخفايا ما في نفوسهم ؟ أليسوا قد أعلنوها في فلتة لسان تلتها اعتذارات بأنها حروب صليبية ؟ أليست صدرت التقارير والدراسات التي أعلنت بأن هذه الديار هي أساس الشر ومنبع الضر في العالم كله ، وينبغي أن تحارب وأن تكون العدو الأول ؟ ثم تنصل هذا وقال:"ذاك لا نعنيه"، وقال:"ذاك يعبر عن رأي صاحبه"!!

إنها القضايا التي لا تروج ولا تمر إلا على المغفلين والحمقى الذين لا ينبغي أن يكون المسلم واحداً منهم .. استمع إلى هذا التفسير وإلى هذا البيان في قوله: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ } [ فاطر: من الآية43] .

فبَانَ خزيهم ، وظهرت فضيحتهم ، وتبينَ قصدهم السيئ ، فعاد مكرهم في نحورهم ، وردّ الله كيدهم في نحورهم ، فلم يبق لهم إلا الانتظار لما يحل بهم من العذاب ، الذي هو سنة الله في الأولين التي لا تبدل ولا تغير: أن كل من سار في الظلم والعناد والاستكبار على العباد أن تحلّ به نقمته ، وأن تسلب منه نعمته ، فليترقب هؤلاء ما فعل بأولئك ! سنة الله ماضية لا تتخلف ..

وتأمل هذا الربط: { وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } [ فاطر: من الآية43] .

فهل بعد هذا التأكيد من تأكيد ؟ وهل بعد هذا البيان من بيان ؟ أم أن العقول لا تعي ؟ وأن القلوب لا تفقه ؟ وأن النفوس قد أصابها من المرض والضعف ما يشبه أن تكون به مواتاً لا حياة فيها ؟! إنها آيات القرآن التي ينبغي أن نقرأها وأن نعقلها ، وأن نحيي بها قلوبنا ونفوسنا ، وأن نعرف بها كيف نواجه أعداءنا .. لا أن نكون أغراراً وسذجاً .. لا أن تكون وسائل إعلامنا أبواقاً تردد ما نسمعه في النهار بالليل وما نسمعه بالليل في النهار .. إنها قضايا قرآنية عظمى تكشفها لنا الآيات وتبينها .. { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ } [ فاطر:10] .

وتأمل أيضا هذه الآية والآيات كثيرة والقرآن كله أنوار تضيء الطريق ، وحقائق تكشف الباطل والزيغ والشبهات: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً } [ فاطر: من الآية10] .

أقوال كثيرة لأهل التفسير منها كما قال القرطبي في تفسيره:"يريد سبحانه أن ينبه ذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة ومن أين تستحق؛ فتكون الألف واللام للاستغراق، وهو المفهوم من آيات هذه السورة. فمن طلب العزة من الله وصدقه في طلبها بافتقار وذل، وسكون وخضوع، وجدها عنده إن شاء الله غير ممنوعة ولا محجوبة عنه؛ قال صلى الله عليه وسلم: (من تواضع لله رفعه الله) . ومن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها عنده.".

ولذلك أيضا قال الشاعر في هذا المعنى:

وإذا تذللت الرقاب تواضعا منا إليك فعزها في ذلها

وهو مطلب يأتينا ليرسم لنا الطريق الصحيح الذي نستطيع به أن نكون مؤهلين لمواجهة الكيد والمكر: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً } [ فاطر: من الآية10] .

علّق القلب بالله ، واربط المقصد بالله ، ولا تذل لغير الله ، ولا تطلب عزةً ولا نصرة إلا من الله ، وذلك قول قد نقوله ، وكلام قد نردده .. فأين تصديقه في الواقع ؟

استمع للآية وهي تربط المعاني ربطاً محكماً معجزاً: { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } [ فاطر: من الآية10] .

ذلك المعنى الذي يربط بين القول والعمل ، الذي يجعلنا ندرك أن الطريق الصحيح هو أن نترجم أقوالنا إلى أعمال ؛ سيما في القضايا الكبرى المصيرية ، وفي الحقائق التي ينبغي أن نكشفها في مواجهة أعدائنا .. في المزالق والكيد الذي يخفى على كثير من أبنائنا ينبغي أن ننتبه إلى ذلك .

{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } [فاطر: من الآية10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت