الثَّالِثُ: هو مَا يَتَعَلَّقُ بِأَخْلَاقِيَّاتِ الإنترنت وَيُؤسِفُنَا جدًّا أَنْ يَتَحَوَّلَ الإنترنت إلى مَيدَان للبَذَاءَةِ ولغَيرها .
وَالمنهَجُ الإسْلَامِيُّ هُوَ: أَنَّ هذِهِ تُعْتَبَرُ أَقْرَبُ مَا تكُونُ إلى الأسْوَاق التي هي أَشْبَهُ بأَنْ يُتَعَوَّذُ فيهَا منَ الشَّيطَانِ، وَلِهَذَا لَمَّا تَأْتِي للفَرْقِ بَينَ المنْهَجِ الإسْلَامِيِّ، وَهَذِهِ الطَّرَائِقُ المُسْتَحْدَثَةُ تَجِدُ الفَرْقَ وَاضِحًا؛ انْظُرْ مَثَلًا إلَى خُطْبَةِ الجمْعَةِ والتي هي عنْدَ المسلمين منْ أقْصَى الدنيا إلى أقصَاهَا يَقِفُ الخطِيبُ أمَامَ الحاضِرِينَ، وَيَتَكَلَّمُ وَهُم جَالِسُونَ يَسْتَمِعوُنَ ، لَا يَجُوزُ لهم أنْ يَعْبَثُوا ، وَلَا أنْ يتكَلَّمُوا ، أو حتَّى لو أنَّ الإمام دَعَا أو غير ذلك، بَعضُ العلماءِ يقُولُ: لَا يُؤَمِّنُ، وبعضُهُمْ قَالَ: يُؤَمِّنُ بَينَهُ، وَبَينَ نفْسِهِ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ.
مَا رَأيُكُمْ لَو أنَّ خطْبَةَ الجمْعَةِ مَفْتُوحَةٌ كَالأسْوَاقِ: وَقَفَ الخطِيبُ يَخْطُبُ: أيُّهَا النَّاسُ فَقَامَ وَاحدٌ وَقَالَ أَنْتَ مَا تَفْهَمُ ، وَقَالَ الثَّاني أَنْتَ مجْنُونٌ ، وَقَالَ ثَانِي يَا جَمَاعَةُ اتْرُكُوهُ، اسْتَمِعُوا إلَّي أَنَا سَأَخْطُبُ بَدَلًا منه ، كَيفَ سَيَكُونُ الحالُ؟!! قَارنْ بينَ هذا وهذا؛ وَلِهَذَا نُوصِي بأَنَّ الإنسانَ يتَعَامَلُ معَ الإنترنت بكلِّ حَذَرٍ، وَلَيَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَصَحُّ إلَّا الصَّحِيحُ، وأَنَّ التَّهْوِيشَ، وَالكلامُ غير الصَّحِيحِ لَا يَضُرُّ إلَّا صَاحِبَهُ.
النَّوَازِلِ التي تَقَعُ فِي الأمَّةِ
وَأَخْتَصِرُ الكَلامَ حَولَهَا في مَسْأَلَتَينِ:
الأُولَى: فَهيِ أنَّ النَّازِلَةَ يَنْبَغِي للمسْلِمِينَ أَنْ يَنْظُرُوا فِيهَا النَّظْرَةَ الشَّرْعِيَّةَ كمَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالحُ؛ فَهَذَا"عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ"رضي الله عنه كَانَتْ تأْتِيهِ مَسْأَلَةٌ مِنَ المسَائِلِ فَيَجْمَعُ لَهَا أَهْلَ بَدْرٍ، وَالواجبُ علَى علَمَاءِ الأمَّةِ إِذَا نَزَلَتْ بالمسْلِمِينَ نَازِلَةٌ أَنْ يكُونَ بينهمْ اللِّقَاءُ، وَالنَّظَرُ الشَّرْعِيُّ، وَالتَّشَاوُرُ وَالاجْتِهَادُ؛ ذاكَ أَنَّهُ: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة:286] ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ وَلَا الاخْتِلَافُ.
الثَّانِيَّة: عَلَى طَالبِ العِلْمِ أَلَّا يَسْتَعْجِلَ فِي النَّوَازِلِ، وَأَعْنِي بِهِ إِذَا نَزَلَتِ النَّازِلَةُ لَا يَكُونُ أَوَّلَ المبَادِرِينَ ؛ لِأَنَّ أَيَّ نَازِلَةٍ كَمَا قَالَ ابنُ القَيِّمِ: لَابُدَّ للإنْسَانِ في أَيِّ مسْأَلَةٍِ مِنْ أَمْرَينِ:
1-مَعْرِفَةُ الحكْمِ الشَّرْعِيِّ.
2-مَعْرِفَةُ الفِتَنِ الوَاقِعَةِ (3) .
وَأَنْ تَعْرِفَ النَّازِلَةَ مَا هِيَ؟! مَا أبْعَادُهَا؟! مَا هي الأشياء المتَعَلِّقَةُ بِهَا؟! وفي مُقَابِلِ ذَلِكَ تَنْظُرُ أيضًا إلى الحكْمِ الشَّرْعِيِّ، بعْضُ النَّاسِ أَوَّلُ مَا تَنْزِلُ نَازِلَةٌ يُبَادِرُ، وَيَتَّخِذُ الموْقِفَ، وَأَحيانًا الفَتْوَى، وَنَحوِ ذَلِكَ، وَنَحْنُ نَقُولُ مَا كانَ منْهَا يَحْتَاجُ إلَى تَدَبُّرٍ ونَظَرٍ فِي الوَاقِعِةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَأَمَّلَ فيها؛ وَلِذَلِكَ أَنْصَحُ طُلَّابَ العِلْمِ أَنْ يَسْتَشِيرُوا مَنْ حَولَهُمْ مِنَ العُلَمَاءِ يَعْنِي: إذَا نزَلَتْ نَازِلَةٌ مَا يَجْلِسُ طَالِبٌ، وَيَبْدَأُ يَخُوضُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَلْتَقِي بِإِخْوَانِهِ يَلْتَقُونَ بِمَنْ حَوْلَهُمْ منْ أَهْلِ العِلْمِ وَيَتَشَاوَرُونَ فِي المسْأَلَةِ ، وَيَعْرِضُونَ فِيهِ الأَمْرَ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ، ثمَّ بعْدَ ذلِكَ قَدْ يَنْتَهُونَ فِيهَا إلَى طَرِيقَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي مُعَالَجَهِ مِثْلِ هَذَا الأمْرِ الذِي يَقَعُ في هذِه الأمَّةِ ، الفَوضَى التي تَعِيشُهَا الأمَّةُ فِي هَذِه الأَزْمِنَةِ المتَأَخِّرَةِ، وَحَقِيقَةً ما أَظُنُّ إلَّا أنَّ نَوَازِلُ الأمَّةِ، وَسَلْبِيَّاتَهَا، وَمَشَاكِلُها كَثِيرَةٌ جِدًّا, لَا يَعْنِي هَذا أَنَّهُ لَيسَ فِي كِتَابِ الله وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا اجْتِهَادِ العُلَمَاءِ مَا فِيهِ جَوَابٌ لَهَا؛ وَإِنَّمَا نَوَازِلُ الأمَّةِ تَحْتَاجُ إلى طَرِيقَةٍ، وَمَنْهَجٍ، وَأَسْأَلُ الله عز وجل أَنْ يُرْشِدَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَمْرًَا مُرْشِدًا، وَأَنْ يُعِيذَنَا مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ!! وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ، وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
(1) [صحيح] أخرجه مسلم (2948) من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه .
(2) [صحيح] أخرجه البخاري (2363) ، ومسلم (2244) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(3) انظر: إعلام الموقعين (1 / 87) .
كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ إِذَا اشْتَدَّتِ الفِتَنُ؛ الْتَجَؤا إلَى الله، وَأَلَحُّوا بالدُّعَاءِ:
جِلْسَةُ التَّفَكُّرِ، العِبَادَةُ، السُّجُودُ الطَّوِيلُ هَذَا هُوَ الإلْحَاحُ الذِي يَحْتَاجُ إلَيه المسْلِم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد:
فمن حِكَمِ الله سبحانه وتعالى الكبرى التي يلمسها كل إنسان في هذه الحياة أنه تعالى حين كلَّفنا بعبادته وحده لا شريك له في قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} كان من حكمة الله في هذا التكليف الدنيوي أن يكون له متممٌ ومكمِّل في الآخرة.
فالناسُ يعيشون في هذه الحياة الدنيا، وكلُّ واحدٍ منهم يوجدُ ويُخلقُ ويولد ويعيش بلا إرادة منه، بل الله -سبحانه وتعالى- هو الذي اختار لنا أن نُخلق من أمٍّ ومن أبٍ على صفة معينة، وأن نولد في يوم معين، وأن نعيش إلى يوم معين، بآجالٍ لا تتقدم ولا تتأخر أبدًا.
ويستوي في ذلك جميعُ الناس من المؤمنين والكفار؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى هو الذي خلق وقدَّر كلَّ شيء في هذه الحياة، وقَدَرُهُ وخلقُه واقعٌ لا مدخل لأحدٍ من الناس فيه.
لكنَّ الأمر الذي يتميزُ به المؤمنون عن غيرهم هو التكليف، فإذا ما بلغ الإنسانُ وكان عاقلًا، وقامت عليه الحجة الرسالية بإنزال الكتب وإرسال الرسل، فاستجاب وآمن وصدَّق، مع سيره في هذه الحياة على قدر الله تبارك وتعالى، وما شاءَه له، فهو المؤمن المميزُ عن الكفار.
ولذا فإنك تنظر في هذه الحياة بعمومها فترى عجبًا...
ترى الناس كلهم تمرُّ عليهم أقدارُ الله كلَّ يوم، وفيهم المؤمنون وفيهم الكفار، فيهم الغني وفيهم الفقير، فيهم الصحيحُ وفيهم المريض، فيهم الحَزِن وفيهم الفَرِح.
بل كل واحدٍ من الناس يحزن أيامًا و يفرح أيامًا، ولا يكادُ ينفكُ عن هذا أحد مهما بلغ في غناه أو في ملكه أو جاهه، أو غير ذلك من أمور الدنيا.
ولكنَّ الذي يُميزُ المؤمنَ بالله -تبارك وتعالى- هو أنه يسيرُ في هذه الحياة كما قدَّر الله له، على منهاج الله تبارك وتعالى، متبعًا مطيعًا لشرعه، ودعوني أضرب لكم أمثلة: