كلُّ واحدٍ من الناس يشربُ الماء إذا عطش، من المؤمنين ومن الكفار، لكن الفرق بين المؤمن والكافر أنَّ المؤمن يشرب الماءَ على منهاج وشرع الله، فيشرب ما أحل الله ويمتنع عن ما حرم الله، ويفتتحُ شربه بـ «بسم الله» ، ويختمهُ بـ «الحمد لله» ، ويستعينُ به على طاعة الله.
وهكذا بقية شئون الحياة، من الأكل ومن العلاقات الاجتماعية، ومن البيع والشراء، والنوم والاستيقاظ، والسفر والإقامة.
المؤمن يسير في هذه الحياة مكلَّفًا باتباع منهاج ربه؛ لأنَّه يعلم أنه محاسبٌ على جميع أعماله، وهُنا يأتي دور الإيمان بالله وباليوم الآخر.
آثار الإيمان باليوم الآخر
إنَّ المؤمن بالله تبارك وتعالى وببقية أركان الإيمان، عنده قضيةً قطعيةً يقينه لا شك فيها، وهي:
أنَّ بعد الموت حياة أخرى، ووقفة للحساب وللجزاء، لا ينفكُّ عنها أحدٌ من الخلق مهما بلغ سُلطانه أو جاهه.
هذه القضية اليقينية التي لا يشكُ فيها مؤمن أبدًا، بل هي ركنٌ من أركان الإيمان، وهي التي تحولُ حياة الإنسان من إنسان جامحٍ شارد متمرد على هذه الحياة إلى إنسانٍ يعيشُ حياةً مستقرةً مستقيمةً على منهاجِ ربه تبارك وتعالى.
ولهذا كان الإيمانُ باليوم الآخر مصدر طمأنينةٍ للمؤمنين في كل وقتٍ وفي كل حالة، والدليلُ على ذلك: حال الذين لا يؤمنون باليوم الآخر من الكفار، انظر إليه تجدهُ ابن دنياه، في أهوائهِ وشهواته وأهدافه وملذاته؛ لأنَّه لا يؤمنُ بأنَّ هناك حياةً أخرى يوم القيامة.
أما المؤمن بالله سبحانه وتعالى فتجده منفتحُ الصدر على كلِّ ما يجري عليه في هذه الحياة، تصيبه السراء والمغنم والمال والجاه والسلطان فلا يبطرُ ولا يتكبرُ على عباد الله؛ لأنَّه يعلمُ أنَّ الدنيا فانيةً، وأنَّ المال أو السلطان لا بدَّ أن يرحلَ عنهما، أو أن يرحلا عنه.
أمَّا الحياةُ الأخرى التي يؤمنُ بها فهي ذلك الموقفُ العظيم بين يدي الله، والذي يتبعهُ خلود أبد الآباد، إما في جنة عرضها السماوات والأرض، وإما في نارٍ تلظى، نسألُ الله السلامة والعافية.
من هُنا جاءَ تقريرُ الإيمان باليوم الآخر طويلًا في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لينقل المؤمن دائمًا إلى ذلك المقام الذي لابدَّ منه، وليجعل الإنسان وهو يسيرُ في هذه الحياة لا ينظرُ تحت قدميهِ فقط، وإنما يسيرُ وهو ينظرُ من بعيد إلى حيث المستقر النهائي.
ونحنُ إنما نشير إشارات سريعةٍ حول هذه القضية الكبرى المتعلقة بالإيمان باليوم الآخر، ولن نستطيع أن نوفيها حقها، ولكن كما قلت: هي إشارات نقفُ عندها.
الأثر الأول: تخفيف مصائب الدنيا وهمومها
من القضايا اليقينية، والتي هي أول منازل الآخرة الإيمان بالموت، الذي كتبه الله على جميع الخلق.
{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } [سورة العنكبوت:57] .
{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [سورة الأنبياء34] - والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [سورة الرحمن:27] .
ولذا أمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابه، والأمر لأمته من بعدهم بأن يتذكروا هادم اللذات كما عند البخاري من حديث أبي هريرة «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ» (1) وهذه المنزلةِ الأولى التي لا يستطيعُ أحدٌ أن ينفَّك عنها أبدًا، هذه المنزلةُ إذا تذكرها الإنسان غَيَّرَ فعلًا طريقةَ تفكيرهِ في الحياة.
إنَّ الله كتبَ الموت على جميعِ بني آدم، فينبغي على الإنسانِ أن يتذكرَ - في حالِ الرخاء أو في حال الشدة - أنَّهُ مفارقٌ لهذه الحياة بالموت الذي كتبه الله على الجميع.
ومن ثَمَّ فإنَّ أثرَ ذلك على الإنسانِ أثرٌ عظيم، في أنَّهُ ينظرُ ويزنُ هذه الحياة بميزانٍ خاص،فإذا ما كثرت هموم الدنيا عليه، تذكر بأنَّ الجميعَ راحلون عنها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ» (2) أي: انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وبذلك ترخص الحياة ومادياتها ومشاكلها وأحزانها عند الإنسان؛ لأنَّ هذه الحياة ليست هي الحياة النهائية، وإنما هي حياة قصيرة يمر بها الإنسان سريعًا ولا يدري متى يأتيه الأجل.
كم من إنسانٍ مزهوٌ بجاههِ أو ماله أو بظلمه على عباد الله، فإذا بالموت يأخذه من بين أحبابه، فلينظر الإنسان دائمًا إلى هذه النهاية التي كتبها الله عليه.
الأثر الثاني: التفاؤل وطمأنينة القلب
إنَّ الإيمان باليوم الآخر يوسع الحياة الدنيا على الإنسان إذا تذكر أنَّه قادم على ربه سبحانه وتعالى.
وقد يقول قائل: وكيف ذلك؟!
فأقول: ماذا قال ذلك الرجل لقائد الفرس قبيل معركة القادسية لمّا سأله: «ما الذي جاءَ بكم أيُّها الأعراب تفتحون البلاد؟ فقال له: إنَّ الله ابتعثنا لنخرج من شاءَ من عبادة العباد إلى عبادةِ ربِّ العباد» وليس هذا هو الشاهد «قال: ومن ضيقِ الدنيا إلى سعةِ الدنيا والآخرة» (3) هذا هو الشاهد «من ضيق الدنيا» لأنَّ الكافر الذي لا يؤمن باليوم الآخر تجده متعلقًا بالدنيا، ضيقُ الصدر، لكن المؤمن: لا، ينقلهُ إيمانهُ من ضيقِ الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
أمَّا سعة الآخرةِ بالنسبةِ للمؤمن فواضح، لأنَّها جنانٌ مخلدٌ فيها العبد أبد الآباد، نسألُ الله الكريم من فضله.
أما سعتها بالنسبة له في الدنيا فلأنها تعطيه طمأنينة قلبية نسبيَّة تفتحُ معه أفقًا أرحب، يتحولُ الإنسان إذا آمن باليوم الآخر إلى أن ينظر إلى الدنيا نظرةَ تفاؤل، إذا جاءهُ ما يُحزنه، يقيسها بمقياس الآخرة، فيعلم أنَّ هذا الذي يُحزنُهُ إن صبر عليه كان له أجر يجدهُ عند الله تبارك وتعالى، يأتيهِ رخاءٌ فلا يبطر، ولا يكفر بنعمةِ الله تبارك وتعالى، ولا يتكبر على الخلق، وإنَّما ينظرُ إلى أنَّ هذه النعمة تفضلٌ من الله، فينظرُ إليها نظرةً واقعيةً فينفقها في طاعةِ الله تبارك وتعالى، لينالَ أجرها عند الله سبحانه وتعالى، ولذا فإنَّ سعةَ الصدرِ إنَّما تكونُ للمؤمن باليوم الآخر.
ألست تزورُ المريض أو الشيخَ الكبير وتسألهُ عن حاله فتسمعهُ - وهو المؤمن بالله - يقول: الحمدُ لله أنا في نعمةٍ كبرى؟!
هل يقولُ هذا إنسانٌ ضاق من الحياة الدنيا؟!
إنما يقوله إنسان آمن بالله واليوم الآخر، فانفتحت له حياتهُ الدنيا، حتى وهو كبيرُ السن، أو في حالِ المرض، فكيفَ بالمؤمنِ في حال الرخاء؟ الذي يستخدمُ صحتهُ وماله وما أعطاهُ الله من قوة، في طاعةِ الله تبارك وتعالى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن!! إنَّ أمرهُ كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن » . (4)
فلا تنفتح أفاق الإنسان ولا تزول أمراضه النفسية وأحزانه وأكداره إلاَّ بالإيمان بالله واليوم الآخر.
الأثر الثالث: عبادة الله باسمه الرقيب
إن الإيمان باليوم الآخر يُوَّلدُ عند المؤمن مراقبةَ الله تبارك وتعالى في السر وفي العلانية، فالإنسان قد يراقبُ الخلق، أو قد يراقبُ قانون الدولة -كما يقولون وكما يحدثُ في بلادِ الكفر- فيتخلقون بالأخلاقِ الفاضلة، وهي أخلاقٌ تجارية؛ لأنَّ تجارته تبور، وشخصيته تبور إذا ما تخلَّق بأخلاق أخرى، لكن إذا كان خاليًا تمرَّد.