ومن أسباب الثبات على الحق والتقى الصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي، فإنه لن يحصل العبد الخيرات إلا بهذا، وقد أمر الله تعالى نبيه بالصبر فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28] ، وقد قال النبي: (( وما أعطي أحدٌ عطاء خيرًا وأوسع من الصبر ) ) (9) [1] .
فالصبر مثل اسمه مر مذاقته…لكن عواقبه أحلى من العسل
ومن أسباب الثبات على الدين والصلاح كثرة ذكر الله تعالى، كيف لا؟! وقد قال عز وجل: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] ، وقال: (( مَثَل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثَل الحي والميت ) ) (10) [2] .
وقد أمر الله تعالى عباده بالإكثار من ذكره فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:41-43] . فذِكر الله كثيرًا وتسبيحه كثيرًا سبب لصلاته سبحانه، وصلاة ملائكته التي يخرج بها العبد من الظلمات إلى النور.
فيا حسرة الغافلين عن ربهم، ماذا حرموا من خيره وفضله وإحسانه؟!
ومن أسباب الثبات على الحق والهدى ترك الظلم، فالظلم عاقبته وخيمة، وقد جعل الله التثبيت نصيب المؤمنين، والإضلال حظ الظالمين، فقال جل ذكره: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] .
فاتقوا الظلم أيها المؤمنون، اتقوا ظلم أنفسكم بالمعاصي والذنوب، واتقوا ظلم أهليكم بالتفريط في حقوقهم والتضييع لهم، واتقوا ظلم من استرعاكم الله إياهم من العمال ونحوهم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.
هذه بعض أسباب الثبات على الحق والهدى والدين والتقى، من أخذ بها فقد أخذ بحظ وافر، ووقاه الله سوء العاقبة والمآل.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك.
(1) أخرجه مسلم في القدر (4798) .
(2) أخرجه أحمد من حديث المقداد بن أسود (22699) .
(3) أخرجه مسلم في كتاب القدر (4781) .
(4) أخرجه أبو داود في الفتن والملاحم (3715) , والترمذي في الفتن (2123) , وسنده جيد (جامع الأصول 105/9) .
(5) أخرجه ابن ماجه في الكفارات (2083) .
(6) أخرجه البخاري في الأشربة (5150) .
(7) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة (3627) , وسنده جيد (السلسلة 389) .
(8) أخرجه الترمذي في الدعوات (3444) .
(9) أخرجه البخاري في الزكاة (1376) .
(10) أخرجه البخاري في الدعوات (5928) .
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار
أما بعد ، أيَّها المسلمون:
سؤال عظيم يوجه إلى أمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وهو أيضاً يوجه إلى كل فردٍ من المسلمين، وبمقدار ما فيه من بداهة ووضوح، فهو بحاجةٍ إلى أن يؤخذ بعزم وقوة.
والسؤال باختصار: ما منزلة هذا القرآن في نفوسنا وحياتنا إيماناً وتصديقاً، وعلماً وفهماً، وعملاً وتطبيقاً، وحكماً وتشريعاً، وشفاءً ودواءً لمختلف الأمراض؟ وهل نحنُ عارفون بمنزلة هذا القرآن- علماً وعملاً- كما كان عليه رسول الله eوصحابته من بعده؟ وإذا كنَّا عارفين، فلماذا صارت أحوالنا هجراً للقرآن كلياً أو جزئياً حتى يكاد أن يتحقق فينا شكوى: (( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) ) (الفرقان:30) .
وإذا علمنا أن هجر القرآن أنواع: فالمشركون كانوا لا يصغون للقرآن ولا يسمعونه، بل إنهم قالوا: (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) ) (فصلت:26) .
حيث كانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره، حتى لا يسمعونه، فهذا من هجرانه بل من أعظم الهجران.
وترك الإيمان به وتصديقه من هجرانه.
وترك تدبره وتفهمه، وتلاوته من هجرانه.
وترك العمل به، وامتثال أوامره واجتناب زواجرهِ من هجرانه.
وترك التحاكم إليه في جميع الشؤون من هجرانه.
والعدول عنه إلى غيره من شعرٍ أو قول أو غناء، أو لهوٍ أو كلام، أو طريقةٍ مبتدعةٍ من هجرانه
فما موقع كلُّ واحدٍ منا- أمة الإسلام- من هذا الهجران للقرآن الكريم؟
أيها المسلمون: إنَّ من أخطر مسببات الهجران، الانحراف عن الأهداف الكبرى والأساسية للقرآن ؛ فعند البعض أنَّ هذا القرآن نزل للأموات وليس للأحياء، فلا يلتفتون إلى القرآن إلاَّ عند المآتم، حين يموتُ ميت لهم، وحينئذٍ يجتمعُ القراء في هذا البيت الهاجرِ للقرآن، أو تصدع أجهزةُ التسجيل بالقرآن- حسب العادة المتبعة-. وأحياناً ينقلون القراءَ إلى المقابر بعد زمن، وإذا كان الميت ذا شأنٍ كبير، شاركت الإذاعة في إيقافِ إرسالها العادي لتبث القرآن.
وعند البعض يكفي أن يفتتح بالقرآن في مؤتمراتهم واحتفالاتهم، وفي إذاعاتهم،
ويختتم به أحيانأ، وكل ذلك للبركة ، وتحول القرآن عند البعض إلى تمائم ورقى تعلق على الأجساد، وتوضع في البيوت أو السيارات، دفعاً للضرر.
فهل نزل القرآن على قلب محمد e ثم حفظهُ الله إلى قيام الساعة من التحريفِ والتبديلِ والزيادةِ والنقصان ليكون هكذا؟
هل نزل ليحتفظ كل واحدٍ منا بنسخةٍ من القرآن- أو عدد من النسخ- في بيته، ويبقى مركوناً، لا نعطيه حتى ولا جزءاً من وقت، نعطيه كل يوم للجريدة التي نقرؤها ونطالعها؟
هل نزل هذا القرآن لنمدحهُ نظرياً مظهرين احترامه ومنزلته؟
ثم نعرض عنه عملياً في حياتنا ومناهجنا التربوية، وأحكامنا وتشريعاتنا وجميع أمورنا ؟ إن هذا القرآن له في أمةِ الإسلام شأنٌ وأي شأن!
أيها الأخوة في الله: وحتى أذكركم- ونفسي- بأهميةِ وعظمةِ هذا القرآن، فاسمعوا إلى بعض ما ذكرهُ الله في كتابهِ عن كتابه، وتذكروا أن هذا الذي نتلوهُ كلام الله تعالى- لا كلام بشر-: