فهرس الكتاب

الصفحة 8530 من 9994

إخوة الإيمان، إن العبد إذا تعبد الله سبحانه مستحضرا الخوف والرجاء أحس برقابة المولى عز وجل وقربه، وأحس بلذة العبادة، لهذا حث الله العباد على أن يتعبدوه بالخوف والرجاء، كما أن الله سبحانه يوفق هذا العبد الخائف الراجي إلى كل خير، ويدخر له من الفضل والثواب في الآخرة ما لا يخطر له ببال ولا يتصوره خيال، أما عن ثواب الخوف فيقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12] ، ويقول سبحانه: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] ، ويقول في الحديث الذي رواه أنس وهو في صحيح الجامع: (( ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلن، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر. وثلاث مهلكات: هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه ) )، ويقول أيضا: (( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبدا ) )أخرجه النسائي.

هذه هي ثمرات الخوف الصادق من الله، وهذه هي ثمرة من يستحضر هيبة هذا الرب العظيم، فيسعى جاهدا للاقتراب من مرضاته والبعد عن مساخطه، بل إن الله سبحانه يقسم بعزته وجلاله أن من خافه في الدنيا فجدّ واجتهد فلن يخاف في الآخرة، ومن أمنه في هذه الدنيا فسها وغفل فإنه سيخاف يوم القيامة، أخرج أبو نعيم في الحلية عن شداد بن أوس عن النبي قال: (( قال الله تعالى: وعزتي وجلالي، لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين؛ إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي ) )، فهذا ثوابك يا من تخاف الله رب العالمين، جاعلا من الخوف زادا لك إلى الآخرة وإلى الجنة.

أما عن ثواب الرجاء فقد بين أن الرجاء إذا اجتمع والخوف في قلب مؤمن فإن الله سبحانه يعطيه ما يرجو ويؤمنه مما يخاف، عن أنس أن النبي دخل على شاب وهو في الموت فقال: (( كيف تجدك؟ ) )قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله: (( لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف ) )أخرجه ابن ماجه.

ويكفينا في أمر الرجاء هذا الحديث، واسمعوه ـ رحمكم الله ـ بآذان قلوبكم لا بآذان أسماعكم، استمعوا إلى الرحمن وهو يتحبب إلينا ويتقرب إلينا رغم معاصينا ومخازينا، استمعوا إلى سيدكم ومولاكم وهو يبين لكم ثواب الراجين له ويبين لكم سعة فضله ومغفرته التي أعدها لهم، ففي الحديث الذي أخرجه الترمذي من حديث أنس يقول: (( قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) ).

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين...

الحمد لله ، اللهم لك الحمد كُلُّهُ ، ولك الشكر كلُّه ، وإليك يرجع الأمر كله ، لك الحمد أن هديتنا للإسلام ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، ولك الحمد على نعمك الظاهرة والباطنة لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الشكور الرزاق لرؤف الرحيم (( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ).

وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وخليله وأمينه ، سيد الشاكرين وإمام المتقين وخاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

أما بعد ك فأوصيكم ونفسي أيها المسلمون بتقوى الله عز وجل وحسن عبادته ، والقيام بشكره على نعمه التي تفوق العَدَّ والحصر . (( فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) )

أيها المسلمون: اذكروا نعم الله عليكم ، وإحسانه إليكم ، هداكم للإسلام ، وجعلكم من خير أمةٍ أُخرجت للناس ومنَّ عليكم بنعمةِ إرسالِ سيدِ الأولين والآخرين وجعلكم من أتباعه . فيا لها من نعمة ما أعظمها ، ومنة ما أجلها . إن الهداية للإسلام أعظمُ ، النعم فقولوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق

أما أوجدكم من العدم وأسبغ عليكم جزيل النعم ، وصرف عنكم عظيم النقم ، قال العظيم المنان جلَّ جلاله وتقدست أسماءه: (( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) ).

وقال سبحانه: (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ) [ الحج ]

وقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) ).

أما تابع نعمه عليكم ، أما سخر لكم المراكب البرية والبحرية والجوية لتحملكم إلى الأقطار البعيدة في زمن قصير ، مع الراحة والاطمئنان ، أما كرّمكم ورزقكم قال سبحانه: (( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) ) (سورة الإسراء: 70) .

فكروا أيها العقلاء هل هناك نعمةٌ ليس لله تعالى فيها يد بل (( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ) ) (سورة النحل: 53) .

(( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ).

واستمعوا إلى قوله جل وعلا في سورة النعم (النحل) ، يقول سبحانه مذكراً بشيءٍِ من نعمه وآلائه العظيمة: (( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ *وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) ).

وقال سبحانه في هذه السورة أيضا: (( وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت