فهرس الكتاب

الصفحة 2883 من 9994

#السرف في الأموال والمتاع

إبراهيم محمد الحقيل

من طبيعة البشر التوسعُ في النفقات، والمبالغة في الاستهلاك، وهدرُ الأموال عند أول شعور بالثراء واليسار، ولا يعرفون أي معنى لوفرة المال إذا لم يصاحبها استهلاك أكثر، ورفاهية وتمتع بالكماليات أوسع. وقد صرح القرآن بأن من طبيعة الإنسان السرف عند الجدة، وتجاوز حدود القصد والاعتدال. قال الله ـ تعالى ـ: {كَلاَّ إنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] ، وقال ـ تعالى ـ: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27] .

ولتهذيب الإنسان وتربيته أمر الله ـ تعالى ـ بالقصد في الأمور كلها حتى في أمور العبادات كيلا يملها العبد. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «والقصدَ القصدَ تبلغوا» أخرجه البخاري وبوَّب عليه بقوله: «باب القصد والمداومة على العمل» (1)

وضدُّ القصد السرف وهو منهي عنه كما في قوله ـ تعالى ـ: {وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] . قال عطاء ـ رحمه الله تعالى ـ: نُهوا عن الإسراف في كل شيء (1) .

* أنواع السرف:

يُطلقُ الإسراف على الكفر؛ فمن أسرف على نفسه بالعصيان حتى وقع في الكفر فهو مسرف على نفسه، كما كان فرعون من المسرفين قال ـ تعالى ـ: {وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83] ، وعاقبة هذا الصنف من الناس النار خالدين فيها إن لم يتوبوا ويؤمنوا قال ـ تعالى ـ: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 127] ، وفي آية أخرى قال ـ تعالى ـ: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: 43] . ويُطلق كلاهما على العصيان.

والعبد إذا أسرف على نفسه بالعصيان مأمور أن يتوب إلى الله ـ تعالى ـ فإنه ـ تعالى ـ يقبل توبته مهما عظُم جرمه، وكثر إسرافه كما قال ـ تعالى ـ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] ، ومن دعاء عباد الله الصالحين: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} .

[آل عمران: 147]

والإسراف في شراء الأطعمة وأكلها أو رميها من مواطن النهي الجلي في القرآن. قال ـ تعالى ـ: {كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] ، وكذا الإسراف في الملابس والمراكب والأثاث وغيرها محرم كما قال ـ تعالى ـ: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} . [الأعراف: 31]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مَخْيَلَة» (2) ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التنعم ولو كان بالمباحات؛ لأنه مظنة للسرف، وتضييع المال، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إياكم والتنعم؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين» (3) .

* لماذا ينهى عن السرف؟

هذا التشديد في النهي عن السرف ما كان إلا لأجل الحفاظ على الأموال والموارد التي يُسأل عنها العبد يوم القيامة؛ فهو يُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟

والسرف يعارض حفظ المال، بل يتلفه ويؤدي إلى إفقار نفسه ومن ثم إفقار أهل بيته وقرابته وأمته، والله ـ تعالى ـ كره لنا قيل وكثرة السؤال وإضاعة المال.

إن حفظ المال فيه حفظ الدين والعرض والشرف، والأمم التي لا تمتلك المال لا يحترمها الآخرون، والشخص الذي ليس له قوة من مال أو جاه لا ينظر الناس إليه ولا يأبهون به، ومن أجل ذلك قال الحكماء: من حفظ ماله فقد حفظ الأكرميْن: الدين، والعرض (4) .

ولم تحرم الشريعة اكتساب الأموال ونماءها والتزود منها، بل حضت على ذلك؛ ولكنها حرمت الطرق المحرمة في كسبها وإنفاقها.

وإن من الطرق المحرمة في إنفاقها: السرف فيها وإهدارها بغير حق، إما في سفر باذخ محرم، وإما في حفلة زواج باهظة الثمن. وإن ما ينفق من أموال على السفر إلى بلاد الكفر والفجور ليعدل ميزانيات دول كاملة، وما ينفق على حفلات الأعراس التي يلقى فائض أطعمتها في النفايات يساهم في إنقاذ الملايين ممن يموتون جوعاً، وفي كل عام يموت الآلاف من البشر جوعاً؛ فهل من حفظ المال هدره بأي طريقة؟ وهل من شكر الله ـ تعالى ـ على نعمته إنفاقه فيما يسخطه سبحانه وتعالى؟!

* حال السلف مع الأموال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت