لم يكن من هدي السلف الصالح الإسراف وتضييع الأموال؛ بل كانوا مقتصدين ينفقون أموالهم في الحق، ويحفظونها عن الإنفاق فيما لا فائدة فيه. قال الحسن ـ رحمه الله ـ: «كانوا في الرحال مخاصيب، وفي الأثاث والثياب مجاديب» (1) . قال الزبيدي: «أي: ما كانوا يعتنون بالتوسعة في أثاث البيت من فرش ووسائد وغيرها، وفي ثياب اللبس وما يجري مجراها كما يتوسعون في الإنفاق على الأهل» (2) .
لقد كانوا ـ رحمهم الله ـ مع زهدهم وورعهم يعتنون بقليل المال ولا يحتقرون منه شيئاً مع اقتصاد في المعيشة والنفقة؛ ولذا كان القليل من المال يكفيهم.
وقد أبصرت أم المؤمنين ميمونة ـ رضي الله عنها ـ حبة رمان في الأرض فأخذتها وقالت: «إن الله لا يحب الفساد» (3) .
وقال أحمد بن محمد البراثي: «قال لي بِشر ابن الحارث لما بلغه ما أنفق من تركة أبينا: قد غمني ما أُنفق عليكم من هذا المال؛ ألا فعليكم بالرفق والاقتصاد في النفقة؛ فلأن تبيتوا جياعاً ولكم مال أعجبُ إليّ من أن تبيتوا شباعاً وليس لكم مال، ثم قال له: اقرأ على والدتك السلام وقل لها: عليك بالرفق والاقتصاد في النفقة» (4) .
والتقط أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ حباً منثوراً في غرفة له، وقال: «إن من فقه الرجل رفقه في معيشته» (5) .
وقال عمر ـ رضي الله عنه ـ: «الخرق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العوز، لا يقلُّ شيء مع الإصلاح، ولا يبقى شيء مع الفساد» (6) ، وأخبارهم في ذلك كثيرة.
* السرف الجماعي المعاصر:
إن السرف في العصور المتأخرة تحوَّل من سلوك فردي لدى بعض التجار والواجدين إلى ظاهرة عامة تجتاح الأمة كلها؛ فالواجد يسرف، والذي لا يجد يقترض من أجل أن يسرف ويلبي متطلبات أسرته من الكماليات وما لا يحتاجون إليه، وهذا من إفرازات الرأسمالية العالمية التي أقنعت الناس بذلك عبر الدعاية والإعلان في وسائل الإعلام المختلفة.
إن المذاهب الرأسمالية ترى أن المحرك الأساس للإنتاج هو الطلب؛ فحيثما وجد الطلب وجد الإنتاج، ومن ثم فإن الإعلانات التجارية تتولى فتح شهية المستهلك للاستهلاك، وتلقي في روعه أنه إذا لم يستهلك السلع المعلن عنها فسيكون غير سعيد، وغير فعال، وسيظهر بمظهر غير لائق، وهذا كله جعل الناس يلهثون خلف سلع كمالية، ويبكون عليها كما يبكي المولود في طلب الرضاعة (7) . واضحى رب الأسرة المستورة يستدين بالربا من البنوك لتلبية رغبة أسرته في السفر للخارج، أو لإقامة حفلة زواج لابنه أو ابنته تليق بواقع الناس، وهكذا يقال في العمران والأثاث والمراكب والملابس والمطاعم وغيرها. بينما منهج الإسلام تربية الناس لا على الاستهلاك وإنما على الاستغناء عن الأشياء بدل الاستغناء بها حتى لا تستعبدهم المادة كما هو حال كثير من الناس اليوم؛ إذ أصبحوا منساقين بلا إرادة ولا تبصُّر إلى الإسراف وهدر الأموال فيما لا ينفع تقليداً للغير.
وبعدُ: أوَ كلما جاء صيف جديد يجيء معه هدر الأموال وإتلافها وفي المسلمين مشردون محرومون لا يجدون ما يسد جوعتهم، ولا ما يكسو عورتهم: في فلسطين والشيشان، وكشمير وغيرها من بلاد المسلمين المنكوبة؟ وهل من معاني الأخوة في الدين أن تستمتع ـ أيها المسلم ـ بما أعطاك الله ـ تعالى ـ فيما حُرِّم عليك وأنت ترى مآسي إخوانك المسلمين؟! ولو لم يوجد مسلم على وجه الأرض يحتاج إلى جزء من مالك يسدُّ رمقه ويبقي على حياته لمَا حَسُن بك أن تهدر مالك في غير نفع؛ فكيف والمسلمون في كل يوم يموت منهم العشرات بل المئات من جراء التجويع والحصار والحرمان؟!
إن عدم الاهتمام بذلك قد يكون سبباً للعقوبة وزوال الأموال، وإفقار الناس؛ حتى يتمنوا ما كانوا يُلقون بالأمس في النفايات. عوذاً بالله. وكم يمر بالناس من عبر في ذلك ولكن قلَّ من يعتبر؛ فكم من أسر افتقرت من بعد الغنى؟! وكم من دول بطرت شعوبها وأسرفت على نفسها فابتلاها الله بالحروب والفتن التي عصفت بها، فتمنى أفرادها بعض ما كانوا يملكون من قبل؟!
والتاريخ مليء بأحداث من هذا النوع؛ فالمعتمد ابن عَبَّاد ـ رحمه الله ـ كان من ملوك الأندلس، ويملك الأموال الطائلة، والقصور العظيمة، ولما اشتهت زوجته وبعض بناته أن يتخوَّضن في الطين أمر بالعنبر والعود فوضع في ساحة قصره، ورُشَّ عليه ماء الورد وأنواع من الطيب، وعُجِن حتى صار مثل الطين؛ فتخوَّضت فيه أسرته المترفة. وما ماتت تلك الأسرة المترفة حتى ذاقت طعم الفقر وألم الجوع؛ إذ استولى يوسف بن تاشفين على مملكة ابن عباد، وكان النسوة اللائي تخوَّضن في العود والعنبر لا يجدن ما يأكلن إلا من غزل الصوف بأيديهن الذي لا يسد إلا بعض جوعهن.