عامر عبد المنعم
16 ربيع الثاني 1427هـ الموافق له 14مايو 2006م
مع غرق القوات الأمريكية في المستنقع العراقي، والتيه في دروب الرافدين؛ تعاني إدارة بوش من التفكك والانقسام بما يفوق التوقعات، ويبدو أن حرب العراق الظالمة تسببت في حرب من نوع آخر داخل أركان الإدارة الأمريكية ووكالاتها، فالاتهامات المتبادلة حول المسؤولية عن الفشل أصبحت ظاهرة متنامية، خرجت من وراء المكاتب إلى صفحات المجلات والصحف، وتحول الجدل إلي صراعات شرسة بين من يوصفون بأنهم صقور الإدارة.
أبرز مظاهر الانقسام ما يحدث من صراعات بين أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وسعي بعضها للهيمنة علي البعض الآخر، وظهور شخصيات متنفذة تتصارع فيما بينها للسيطرة علي هذه الوكالات.
لم يكن قرار إقالة بورتر غوس مدير وكالة المخابرات الأمريكية سوى حلقة من حلقات هذا الصراع الذي يشير إلى أزمة هذه الوكالة التي كانت لها سمعة ومكانة كبيرة إلى أن فقدت مصداقيتها أمام الشعب الأمريكي بعد ثبوت كذب تقاريرها.
بدأت C.I.A تتلقي الضربات منذ أحداث 11 سبتمبر، وزاد الهجوم عليها وعلي غيرها من الوكالات ووزارة الدفاع مع أول ظهور لفشل الاحتلال العسكري الأمريكي في العراق، كان تقرير لجنة التحقيق في أحداث 11 سبتمبر بداية لهذا الصراع الذي بدأ وتفاقم حتى اليوم بين أجهزة الاستخبارات الأمريكية، فقد أشار التقرير إلى عدم وجود تنسيق بين المخابرات المركزية والأجهزة الاستخبارية الأخرى، مما أوجد الثغرات التي استغلها من قاموا بتفجير برجي مبني التجارة العالمي.
ومع تسريب المعلومات عن كذب تقارير المخابرات عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، وكذب ما أعلن عن صفقة اليورانيوم من النيجر، وغيرها من تقارير اعتبرت مضللة وسببًا في تورط الجيش الأمريكي في حرب خاسرة اضطر جورج تنت مدير الـ C.I.A السابق إلى تقديم استقالته لتجنب المساءلة.
اختار جورج بوش بورتر غوس في سبتمبر 2004 خلفًا لجورج تينيت ليدير الوكالة، وكانت المجاملة الحزبية واضحة في الاختيار، وكان بوش يهدف إلى السيطرة علي الوكالة، وتقييدها لاحتوائها ليضمن مساندتها له في الحرب حتى النهاية، وليضع حدًا لتسريب المعلومات المحرجة له، والتي تساهم في تحريض خصومه الديمقراطيين ضد سياسته، وتؤلب عليه الشعب الأمريكي.
اختيار بوش لم يرض العاملين في الوكالة؛ فقد تسبب بورتر غوس في إثارة الانتقادات داخل الـ C.I.A، كما تسبب في تشويه صورتها، إذ قام المدير الجديد بانتشال شخص مغمور نسبيًا في الوكالة كيلي فوغو ليكون المدير التنفيذي أي الرجل الثالث في الـ C.I.A، والذي فتح بابًا واسعًا لانتقاد الوكالة في وسائل الإعلام والتشهير بها، اتهم المدير التنفيذي للوكالة بتلقي رشاوى، والتورط في وقائع فساد متعلقة بإسناد عقود دفاعية بطرق غير شرعية لأحد أصدقائه، وقد صاحب هذه الاتهامات تسريب معلومات تمس سلوكه الشخصي عن إدمانه لعب البوكر في فنادق في العاصمة الأمريكية.
صبت الصحف انتقادات لاذعة لـ C.I.A والفساد المرتبط بها، الأمر الذي شكل عبئًا على بوش نفسه، فأجبر على إقالة صديقه الذي لم يدم في موقعه أكثر من عام ونصف، لكن هناك سبب آخر ساهم في الإطاحة بغوس، وأدى إلى سرعة الخلاص منه وهو: صراعه مع المدير الوطني للاستخبارات الذي يريد فرض سلطته على C.I.A وباقي الوكالات.
فقد حاول غوس أن يكون له بصمة يقنع بها العاملين في الوكالة، وأنه يعمل على استعادة هيبة ومكانة الوكالة، والتصدي لمحاولة تذويبها والسيطرة عليها.
نجروبونتى والسيطرة على C.I.A:
مع التعثر في العراق، والفشل المخابراتي بشكل عام؛ قامت الإدارة الأمريكية بإعادة تنظيم استخباراتها باستحداث منصب جديد مهمته التنسيق بين الوكالات الاستخبارية، فتمت تسمية مدير وطني للاستخبارات هو جون نيجروبونتي للإشراف على الـ C.I.A، وعلى 16 وكالة استخبارات أمريكية.
يعتبر جون نجروبونتى شخصية متنفذة في الإدارة الأمريكية، وله علاقات واسعة، فقد خدم في الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ 40 عامًا، بالإضافة إلى ذلك فإن له تاريخًا دمويًا في أمريكا اللاتينية أثناء حكم الرئيس ريجان، وفى الفترة ما بين 1981 و 1985 عندما كان سفيرًا لبلاده في هندوراس، وكان آخر منصب له قبل رجوعه إلي واشنطن سفير الاحتلال في المنطقة الخضراء ببغداد، وقد لوحظ أنه لم يخرج منها طوال فترة وجوده إلا نادرًا، وظل ملتزمًا مكانه خشية الاغتيال، حتى تم سحبه إلى منصبه الاستخباراتي.
كان أمام نيجروبونتي عقبتان لتنفيذ مهمته:
الأولى: C.I.A، والثانية: وكالات وزارة الدفاع الخاضعة لرامسفيلد وزير الدفاع، والمدعوم بقوة من نائب الرئيس ديك تشيني.
ورأى نيجروبونتي أن C.I.A هي الأضعف بسبب الاضطراب الذي تمر به منذ تفجير البرجين، وأدائها الذي لم يحظ بأي دعم وتأييد، خاصة مع فشل الدور المخابراتي في تقييم الوضع في العراق بشكل حقيقي، وقرر نيجروبونتي الدخول بحرص على الوكالات العسكرية حتى لا يستفز رامسفيلد، ويدخل في معركة غير محسوبة تفقده المنصب قبل أن يذوق حلاوته.
ما أن تقلد نيجروبونتي منصبه الجديد كمدير للاستخبارات القومية حتى سارع إلى بسط سلطته على وكالة الاستخبارات المركزية ليصبح المسئول عن قراءة الموجز اليومي الاستخباراتي على الرئيس بوش بدلًا عن 'بورتر غوس' الذي لم يستطع أن يفرض نفسه لحداثة عهده، وللفشل الذي لا زالت الوكالة تتحمل مسؤوليته.
كان حلول نيجروبونتي بدلًا من مدير الوكالة قربًا من الرئيس الأمريكي يمثل أكبر ضربة للوكالة، إذ أعطى انطباعًا بتراجع دورها، وزوال مكانتها، وأصبح نيجروبونتي هو المتحدث باسم المخابرات في الكونجرس، وهو الذي يقدم الإفادات حول النشاط الاستخباري أمام الجهات العليا.
ما فعله نيجروبونتي لم يثر غضب العاملين في C.I.A وحدهم، وإنما امتد الغضب إلى الوكالات العسكرية التي تسعي هي الأخرى للتوسع والسيطرة علي العمل الاستخباري على حساب C.I.A، فالمعركة كانت في الأساس بين C.I.A والبنتاجون، وزادت المنافسة مع الدور الذي بدأ يلعبه الجيش الأمريكي منذ حرب أفغانستان والعراق.
الصراع بين C.I.A ووزارة الدفاع:
العلاقة بين C.I.A ووزارة الدفاع متوترة، فالتنافس بين الطرفين على المخصصات والنفوذ موجود منذ فترة، إذ أن الأجهزة التابعة لوزارة الدفاع تحتل مركز الصدارة في الموازنة السنوية المخصصة للأجهزة الاستخباراتية الأمريكية، ورغم الطبيعة السرية لمثل هذه الأمور فإن وكالة الاستخبارات المركزية تحصل على خمسة مليارات دولار سنويًا، وهو أقل من ستة إلى ثمانية مليارات دولار التي تحصل عليها وكالة الأمن القومي سنويًا، ويحصل المكتب القومي للاستطلاع التابع لوزارة الدفاع على ستة إلى ثمانية مليارات دولار في السنة، علاوة على الوكالات الأخرى المرتبطة بوزارة الدفاع مثل الوكالة القومية للاستخبارات الفضائية، التي تستفيد من ثلاثة مليارات دولار سنويًا، والمرافق العسكرية المستقلة التي تتوفر على أجهزتها الخاصة لجمع المعلومات وتحليلها.