لكن العلاقة بين C.I.A ووزارة الدفاع ازدادت توترًا منذ تعيين رامسفيلد وزيرًا للدفاع، لرغبة الأخير في تقوية نفوذه، والتوسع في العمل الاستخباري لوزارة الدفاع على حساب الوكالة، من الخطوات التي اتخذها رامسفيلد التي توضح حبه للسيطرة، وولعه بالتغول والتمدد ما قام به الجيش الأمريكي مؤخرًا عندما نشر فرقًا صغيرة من 'قوات العمليات الخاصة' في عدد من السفارات الأمريكية بهدف جمع المعلومات الاستخباراتية، هذه الخطوة نظر إليها من جانب قادة وكالة المخابرات المركزية على أنها تعدي على عملهم، وتجاوز لا يقبلونه، ويعد تضارب في المسؤوليات.
تم إرسال مجموعات صغيرة من أفراد 'العمليات الخاصة' إلى أكثر من اثنتي عشرة سفارة في إفريقيا، وجنوب شرق آسيا، وأمريكا الجنوبية.
هذا التحرك من رامسفيلد سبب أزمة مع C.I.A ووزارة الخارجية أيضًا، ففي واقعة حظيت بنقاش ساخن بين الهيئات الثلاث قامت وحدة عسكرية من هذه الوحدات التي أرسلت إلى الباراغواي دون علم السفارة بقتل لص مسلح قابلهم أثناء نزولهم من سيارة أجرة، الأمر الذي سبب إحراجًا للسفير، وفتح الباب لمناقشة هذا التضارب، وعدم التنسيق.
هذه السيطرة الكاملة لرامسفيلد على هذه الوحدات الخاصة خارج سيطرة مدير الاستخبارات الوطنية الجديد نيجروبونتي؛ أوجدت معركة أخرى بين الطرفين.
صراع رامسفيلد ونيجروبونتي:
إذا كان جون نيجروبونتي قد أزاح 'بورتر غوس' الذي حاول التصدي لمحاولاته للسيطرة على C.I.A فإن معركته الكبرى مع وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أكثر ضراوة، فالثاني يريد هو الآخر أن يسيطر على ما تبقى من الأجهزة الاستخبارية، متجاهلًا المدير الوطني للاستخبارات.
سعى رامسفيلد من جهته للحد من سلطات نيجروبونتي، وتجاهل وجوده، وسار في مخططه بكل قوته، وبرر موقفه بأنه لا يريد إضعاف وزارة الدفاع، وقال في شهادة أدلى بها أمام الكونجرس: 'نحن لا نريد أن نضع حواجز جديدة بين القادة العسكريين في الميدان وأجهزة الاستخبارات العسكرية التي تقدم لهم الدعم'.
وقد تسبب هذا التخبط والتنازع بين أجهزة ووكالات المخابرات في خروج الانقسامات إلى السطح، وتشير حدة الحملات المتبادلة إلى أن الأمر خرج عن السيطرة، هذا الصراع بين الأجهزة الاستخباراتية وراء ما عرف بحرب تسريب المعلومات التي تفضح الإدارة الأمريكية بشكل عام.
ففضائح سجن أبي غريب، وتسريب الصور عن الانتهاكات؛ كان في إطار هذه الحرب الدائرة في دهاليز العمل الاستخباري، كان المقصود منها إدانة الاستخبارات العسكرية، ونفس الأمر فيما يتعلق بنشر فضائح المخابرات المركزية حول أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق، وغيرها مثل فضيحة السجون السرية.
هذه الحملات الإعلامية ضد رموز الإدارة الأمريكية بغض النظر عن دوافعها تأتي في إطار تصفية الحسابات بين مجرمي الحرب، فالكل يريد التهرب من مسؤولية الانهيار الحادث للهيبة الأمريكية، وضياع حلم الإمبراطورية على أيدي المقاومة في العراق وأفغانستان.
الصراع الذي نشاهده بين أركان إدارة بوش يكشف جانبًا لم ننتبه إليه من قبل وهو: أن خسائر أمريكا ليس فقط ما تتكبده في العراق، وإنما هناك خسائر ناتجة عن هذه الحروب في عقر الدار، وأن الترويع ارتد إلى المعتدي، وأصاب العصب، وشيئًا فشيئًا سيصيب الشلل الدماغ لتموت أذرع الإخطبوط وتتآكل ربما قبل أن يستطيع سحبها، لتكون نهاية إمبراطورية الشر إلى الأبد