فهرس الكتاب

الصفحة 9256 من 9994

ومن حقوقهما النفقة عليهما إذا كانا محتاجين للنفقة وعند الولد مايزيد على حاجته قال شيخ الإسلام رحمه الله: على الولد الموسر أن ينفق على أبيه وزوجة أبيه وعلى إخوته الصغار وإن لم يفعل ذلك كان عاقاً لأبيه قاطعاً لرحمه مستحقاً لعقوبة الله في الدنيا والآخرة.

ومن حقوقهما التواضع لهما وخفض الجناح قال الله تعالى: ?إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ` وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً? (13) .

ومن حقوقهما إنفاذ عهدهما أي وصيتهما ففي سنن أبي داود أن رجلاً قال: يارسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد موتهما ؟ قال: (( نعم الصلاة عليهما - الدعاء لهما - وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ) ) (14) .

هذه أيها المؤمنون بعض الحقوق التي افترضها الله عليكم لوالديكم ولا يظن من وفقه الله في القيام ببعض الحقوق أنه قد قام بما عليه وقد جزى والديه حقهما قال النبي r: (( لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه ) ) (15) ورأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً يمانياً بالبيت قد حمل أمه وراء ظهره وهو يقول إني لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر. ثم قال: يا ابن عمر أتراني جزيتها ؟ قال: لا ولا بزفرة واحدة. أي عند الولادة اللهم إنا نسألك أن تعيننا على القيام بما افترضت علينا من بر الوالدين.

(1) النساء: 36.

(2) لقمان: 14.

(3) أخرجه البخاري في الأدب برقم 5970 وأخرجه مسلم في الإيمان برقم 85.

(4) أخرجه البخاري في الجهاد والسير برقم 3004 وأخرجه مسلم في البر والصلة برقم 2549.

(5) رواه الترمذي في البر والصلة برقم 1899 وسنده جيد.

(6) أخرجه مسلم في البر والصلة برقم 2551.

(7) أخرجه البخاري في الإجارة برقم 2272 وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم 2743.

(8) أخرجه البخاري في الأدب برقم 5985 وأخرجه مسلم في البر والصلة برقم 2557.

(9) أخرجه البخاري في الأدب برقم 5984 وأخرجه مسلم في البر والصلة برقم 2556.

(10) الرحمن: 60.

(11) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 10232 وسنده حسن.

(12) أخرجه مسلم في البر والصلة برقم 2552.

(13) الإسراء: 23 -24.

(14) أخرجه أبوداود في الأدب من حديث مالك بن ربيعة بن البدن رضي الله عنه برقم 5142.

(15) أخرجه مسلم في العتق من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 1510.

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

فاتقوا الله أيها المؤمنون فإنه لا فلاح لكم في الدنيا ولا نجاة في الآخرة إلا بتقوى الله تعالى. أيها المؤمنون إن البغي والظلم ذنب عظيم وإثم مرتعه وخيم وهو سبب كل شر وفساد وكل بلاء وعقاب فهو منبع الرذائل والموبقات ومصدر الشرور و السيئات وعنه تصدر سلاسل العيوب والآفات متى فشا في أمة آذن الله بأفولها ومتى شاع في بلدة فقد انعقدت أسباب زوالها وتحول لباسها، فبه تفسد الديار وتخرب الأوطان وتدمر الأمصار به ينزل غضب الواحد الجبار القهار قال الله سبحانه وتعالى: ?وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا? (1) وقال: ?وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ? (2) وقال تعالى: ?وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً? (3) وقال تعالى: ?فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ? (4) .

أيها المؤمنون إن الله تعالى نفى عن نفسه الظلم فقال عز وجل: ?وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد? (5) وقال: ?وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً? (6) وقال: ?إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة? (7) ?وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ? (8) وقد حرمه تعالى على نفسه ففي الحديث الإلهي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله r فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: (( ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ) ) (9) رواه مسلم فأعلم الله تعالى عباده في هذا الحديث العظيم أنه حرم الظلم على نفسه قبل أن يجعله محرماً بين عباده. وقد أعلن النبي r حرمة الظلم في أعظم مجمع وموقف فقال في خطبته يوم عرفة: (( ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ) ) (10) وفي الصحيحين أن النبي r قال: (( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ) ) (11) وقال r فيما يرويه مسلم وغيره: (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ) ) (12) . وقد تهدد الله أرباب الظلم وأهله فقال جل ذكره: ?وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ? (13) فالله تعالى للظالمين بالمرصاد ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول r: (( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ r: ?وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ? ) ) (14) . وقد لعن الله الظالمين فقال: ?ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ? (15) وأخبر سبحانه أنه يبغضهم فقال: ?وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ? (16) . والظلم يا عباد الله أعظم أسباب ارتفاع الأمن وزوال الاهتداء عن الأفراد والمجتمعات قال الله تعالى: ?الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ? (17) فبقدر ما يكون مع الفرد و المجتمع من الظلم بقدر ما يرتفع عنه الأمن والاهتداء فالجزاء من جنس العمل ?وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ? (18) .

أيها المؤمنون إن الظلم الذي وردت به النصوص التحريمية وبيان سوء عاقبته والتحذير منه درجات ومراتب أولها الظلم الكبير الخطير العظيم الذي لا يغفر الله الغفور الرحيم الكريم لصاحبه إلا بالإقلاع عنه وتوبته منه ألا وهو الإشراك بالله تعالى. بصرف العبادة أو بعض أنواعها لغير الله كدعاء غيره والسجود لغيره والذبح والنذر لغيره ونبذ شرعه والتحاكم إلى سواه قال الله تعالى حاكياً عن لقمان وصيته لابنه: ?يابني لا تُشْرِكْ باللَّهِ إِنَّ الشرك لظُلْم عظيم? (19) فهذا الظلم لا يغفره الله إلا بالتوبة منه قال تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء? (20) فأخلصوا أيها المؤمنون عبادتكم لله تعالى فإنه من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة وحاربوا الشرك وأهله بالدعوة إلى التوحيد.

وأما ثاني مراتب الظلم فذاك الظلم الذي لا يتركه الله تعالى وهو ظلم العبد غيره من الخلق فهذا لابد فيه من أخذ الحق للمظلوم من الظالم كما قال الله سبحانه في الحديث الإلهي: (( وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ) ) (21) . وقد أجاد من قال:

لا تظلمن إذا ماكنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت