إِن المسلم الموفّقَ هو المطيُع لله العاملُ بأحكامه في سفره ، وإقامته ، وهناك من الناس من يسافر فيرتكب منكراتٍ في سفره فيرجع من هذا السفر وهو مأزورٌ غير مأجور فمن منكرات السفر: السفرُ إلى خارج هذه البلاد باسم السياحة والنزهة ـ زعموا ـ لكن الواقع أنَّ مُعْظم هؤلاء إنما يسافرون لتلبيهِ شهوات النفس من اللهو والمتعة الحرام ، وارتكاب الفواحش وما الله بغافلٍ عما يعملون ، إن الأولى بالمسلم إذا اضطر إلى السفر إلى تلك البلاد أن يكون داعيةً إلى الله ، وقدوةً صالحة لغيرة إنَّ مما ينفطر له القلب حزناً وأسى أن يرى الإنسانُ بعضَ المنتسبين إلى الإسلام وهم يقيمون بين الكفار ويجالسونهم بدون ضرورة إلى السفر ، وينتقلون بين البلدان فلا ينطقون بالحق ، ولا يدعون إلى الخير ، ولا يجاهدون المنكر ، ولا يطالبون بالإصلاح ، بل ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ، ويضيعون الصلاة ويتبعون الشهوات فويلٌ لهم من عذاب الله فكم شوهوا جمال الإسلام عند من لا يعرِفُهُ بأفعالهم القبيحة ، وكم صدوا مَنّ يريد الدخولَ فيه بتصرفاتهم الخبيثة ومع الأسف الشديد فلا تزال الصحفُ والمجلات ومكاتبُ السياحة تتبارى في إبراز الإعلانات المغرية ، والدعايات المضللة ( مَنْ دعا إلى ضلالهٍ كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) .
أيها المسلمون:
ومن منكرات السفر:ٍ سفرُ المرأة بدون محرم ولو كان معها نساءٌ على الصحيح من أقوال أهل العلم الخمسة أدلةٍ معلومة والأحكام الشرعية لا تتبدل بتطور وسائل النقل أو تغير الأزمنة ( وما كان ربك نسياً ) وواقع الناس لا يفرض نفسه على أحكام الشرع .
ومن منكرات السفر: زيارةُ أماكنِ العذاب مع اللهو والعبثِ والضحك والتقاطِ الصور التذكارية كزيارة ديار ثمود وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما مَرَّ بالحجر قال ( لا تدخلوا مساكنَ الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ثم قَنَّع رأسه وأسرعَ السير حتى أجاز الوادي ، وأمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها وأمرهم أن يطرحوا العجين الذي عجنوه بهذا الماء ) .
ومن منكرات السفر: استماع الغناء الذي بدؤهٌ من الشيطان ، وعاقبته سخطُ الرحمن ، وهو محرم في السفر وغيره .
أيها المسلمون:
حَقُّ على كل عاقل أن يتذكر أنه في هذه الدنيا بقطع سفراً إلى الدار الآخرة وأنه ليس له حط على رحال السفر إلا في الجنة أو النار ، وزادُ هذا السفر الأخروي هو تقوى الله عز وجل التي ثمرُ الأعمال الصالحة قال تعالى ( وتزوّدوا فإنَّ خير الزادِ التقوى وأتقون يا أولي الألباب ) ثُمَّ صلوا وسلموا على محمدٍ النبي الكريم اللهم صلِ وسلم عليه وعلى آله وأزواجه ، وأرض اللهم عن أصحابه الأكرمين ، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين اللهم أنصر هذا الدين ، وأذلَّ الكفر والكافرين ، اللهم دَمِّر اليهود والنصارى وسائر المفسدين ، اللهم عليك بالصرب الظالمين وجميعَ المنافقين ، اللهم أشدد عليهم وطأتك ، وأرفع عنهم عافيتكم يا رب العالمين ، اللهم أشف مرضانا ، وعافِ مبتلانا ، وأرحم موتانا ، وأقضى الدين عن حريتنا ، وأصلح ولاة المسلمين ، اللهم أجعل ولايتنا في من خافك واتقاك وأتبع رضاك يا رب العالمين ربنا آتنا في الدنيا حسنه وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
سبحان ربك رب العزةِ عما يصفون وسلام على المرسلين
والحمد الله رَبِّ العالمين
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي له ملك السموات والأرض وله الحمد في الآخرة، خلق كلَّ شيء فقدره تقديراً، أحمده سبحانه على نعمه وفضله، وأشكره على إحسانه وجوده، وأشهد له بالوحدانية، وأقر له بالربوبية، فلا إله إلا الله، ولا معبود حق إلا هو جلَّ في علاه، (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) .
وأشهد أنّ محمداً عبد الله ورسوله وخليله، أرسله بالبينات والهدى وجبله على كريم الطباع وأشرف الخصال، وأثني على خلقه فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) .
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، والتمسك بالقرآن والسنة، والاعتصام بهما، فما ضلّ ولا زاغ من عمل بهما ودعا إليهما، بل من تمسك بهما حقق الله له سعادة الدارين.
أيّها المسلمون:
خُلق الإنسان من ضعف، وهو في هذه الدنيا ممتحن، يغضب ويرضى، ويحزن ويفرح، ويمرض ويصح، ولذا وطّن العقلاء نفوسهم على الصبر والتحمل، والأناة والتحلم، أما غيرهم فيسخط ويسب، وقد يبلغ به الغضب إلى حد الجنون، فيضرب بغير حق، ويقذف ويلعن، وربما كسر عظماً، أو هدم أسرةً، وحلَّ وثاق الزوجية.
يا عباد الله:
ذلكم ما يفعله الغضب بأصحابه حينما يستسلمون له، ويعتادون عليه.
أيها الإخوة:
الغضب جماع الشر لأنه من الشيطان؛ فهو يشل تفكير المرء، ويلغي مروءته، ويحرك في نفسه نوازع الشر والعدوان، ولهذا ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه:"أنّ رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال: لا تغضب. فردّد مراراً. قال: لا تغضب". [رواه البخاري] .
فتأمل - رحمك الله - كيف كرر هذا السائل على النبي صلى الله عليه وسلّم السؤال، وهو يلتمس أنفع وأبلغ مما أوصاه به، فلم يزد صلى الله عليه وسلم على قوله:"لا تغضب".
أن في هذه الوصية سعادة الدنيا والآخرة، فالغضب يؤدي إلى التقاطع، وحرمان الرفق، ويفتح أبواب الآثام والفتن، فكم جرَّ من المآسي على الأفراد والمجتمعات؟! وكم صار سبباً في تفرق الإخوة والإخوان، والأولاد والأزواج؟!.
ويكفي في بيان قُبح الغضب أنه جمرة تتوقد في قلب الإنسان فيزيدها الشيطان اشتعالاً، فيكون من نتائج ذلك الأذى والعدوان وإطلاق اللسان، والقرارات الجائرة، والمبادرات الظالمة التي يعقبها الحسرة والألم.
أيها المسلمون:
الشجاعة والقوة ليست بقوة البدن فحسب بل هي بقوة النفس وكظم الغيظ.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال:"ليس الشديد بالصُّرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
وإنّ الموفق إلى الخير هو الذي يفكر في العواقب عند ثوران الغضب ويتذكر ما وعد الله به الكاظمين لغيظهم من أجر وثواب.
روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال:"من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يخيره في أيّ الحور شاء".
وفي المسند من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال:"ما تجرّع عبدٌ جُرعةً أفضلَ عند الله من جرعة غيظٍ يكظمها ابتغاء وجه الله عز وجل".
"وجاء رجلٌ إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال أوصني قال: لا تغضب فقال الرجل: أمرتني أن لا أغضب وإنه ليغشاني ما لا أملك قال: فإن غضبت فاملك لسانك ويدك".
وبخلق الحلم وترك الغضب أخذ جمع من أسلافنا، ومما يُروى:"أنّ رجلاً شتم عمر بن ذر فقال له عمر: إني أمَتُّ مشاتمة الرجل صغيراً فلن أحييها كبيراً، وإني لا أكافئ من عصى الله فيَّ بأكثر من أن أطيع الله فيه".
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء".
وقال معاوية رضي الله عنه:"لا يبلغ العبد مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله وصبره شهوته ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم".