"وقفة مع أوائل سورة البقرة"
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أخواني في الله نقف معكم في هذا الدرس مع قوله -تعالى-: (( ألم* ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين* الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون* والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون* أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) ).
ابتدأت السورة بذكر أوصاف المتقين. وابتداء السورة بالحروف المقطعة (ألم) يجذب أنظار المعرضين عن القرآن، إذ تطرق أسماعهم لأول وهلة ألفاظ غير مألوفة في تخاطبهم، فينتبهون إلى ما يلقى إليهم من آيات، وفي هذه الحروف إعجاز للقرآن العظيم.
قوله -تعالى-: (( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) )، أي لا شك في أنه من عند الله، وأنه حق محض لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
قوله -تعالى-: (( هدى للمتقين ) )أي هادٍ للمؤمنين المتقين، الذين يتقون سخط الله، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، قال ابن عباس: المتقون هم الذين يتقون الشرك، ويعملون بطاعة الله، وقال الحسن البصري: اتقوا ما حرم عليهم، وأدو ما افترض عليهم.
ما هي صفات هؤلاء المتقين؟!
الصفة الأولى:الإيمان بالغيب: (( يؤمنون بالغيب ) )والغيب هو كل ما غاب عن حس الإنسان ومداركه المعروفة: العين، والأذن ومن هذه الأمور: أركان الإيمان الستة، فإنها كلها غيب إلا القرآن، فإنه بين أيدينا، ولكن يجب التصديق به والعمل؛ فإننا لم نشهد تنزيله، ولكن آمنا بأنه من عند الله.
فالإيمان بالله غيب، فهو تعالى لا تدركه الأبصار، كما قال -تعالى-: (( لا تدركه الأبصار ) )ولن تراه في الدنيا، وإنما يراه عباده المتقون إكراماً لهم في الآخرة في دار النعيم، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً لمذهب أهل البدع الذين ينكرون ذلك. فالله تعالى لا يراه أحد في الحياة الدنيا، فكان الإيمان به دليل على صدق المؤمن وتقواه، ولهذا جاء في سورة الملك: ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير) فالذين يخافون من الله وهم لم يروه دليل على حبهم له، وقوة إيمانهم ويقينهم به، فصدق أن يكون هؤلاء من المتقين الصادقين، ولهذا كان الذين لا يراقبون الله عند خلوتهم وانفرادهم بأنفسهم من أخبث الناس، وهم الذين تراهم بين الناس كالملائكة أخلاقاً وسمتاً وعبادة، فإذا اختلوا بأنفسهم، ولم يروا أحداً من البشر فعلوا كل ما ينكر عقلاً وعرفاً وشرعاً، ما جزاء هؤلاء لما راقبوا الناس ولم يراقبوا الله ؟ كما قال تعالى: (( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذا يبيتون ما لا يرضى من القول ) )ما كان جزاء هؤلاء؟ لقد كان جزاؤهم ما أخبر به الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لأعلمن أناساً من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال مثل جبال تهامة بيضاً يجعلها الله هباءً منثوراً!) فقال ثوبان: من هم يا رسول الله؟ صفهم لنا؟ جلهم لنا ألا نكون منهم؟! فقال: (أما إنهم إخوانكم، يصومون كما تصومون، ويقومون من الليل كما تقومون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) . رواه ابن ماجه وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله-. فأي إيمان هذا؟ أن يأتي إنسان ويتظاهر بالصلاح أمام الناس، فإذا خلا بنفسه انتهك محارم الله من فواحش وغيرها، أي تقوى هذه؟ وأي إيمان هذا؟ وهل يستحق أن يدخل تحت قوله: (( المتقين الذين يؤمنون بالغيب ) )فلو آمن بالله لخافه واتقاه، ولما كان الله أهون الناظرين إليه.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!