فهرس الكتاب

الصفحة 2154 من 9994

#الإيمان بالغيب.. بين الدين والعلم

* د. عبدالمنعم النمر

كيف يقتصر الانسان في عمله على ما تهديه إليه حواسه، أو التجارب في المختبرات؟

لو لم يكن من الفطرة الإيمان بالغيب، لا نحصر الانسان ذهنياً وعقلياً في الدائرة، التي يوجد فيها.. ولما صدق بوجود عالم لم يره، ولم يلمسه، ولم يتذوقه..

إيمان الانسان بما غاب عن حواسه ضروري له كانسان. وإلا فهل كان يصدق بوجود هذا العالم، ومَن فيه وما فيه وهو لم يعرفه عن طريق الحواس.. وهذا أولى درجات السلم في ضرورة أن يؤمن الانسان بما غاب عنه..

ونحن فيما ينقل إلينا مثلاً: من أمور غيبيةنثق بالقائل، أو الناقل فما في ذلك من ضير؟

ثم هل يتجرأ عالم يحترم نفسه فينكر، أو يجحد كل ما لم يصل إليه علمه، عن طريق الحواس.. أليس من بسائط العقل واحترامه ألا يتجرأ الانسان على إنكار ما لم يحسه؛ لأنه أي الانسان محدود ومغلق داخل حواسه وقدراتها المحدودة ألسنا بعد اكتشاف الذبذبات الصوتية والكرهبية، ونقل الصوت من مكان بعيد وكذلك الصورة؟ ألسنا الآن نهزأ بأي عالم مضى وتطاول فأنكر أنه لا توجد أصوات ولا صور في هذا الأثير غير ما يسمعه ويراه؟

فهل يمكن لانسان يحترم نفسه وعقله، أن يقول إن عدم رؤيتي لشيء دليل على عدم وجوده، وعدم سماعي لصوت دليل على عدم وجوده..

إذن لابد أن يكون هناك استعداد وقبول في الانسان للإيمان بالغيب..

وهذا الإيمان هو الذي دفع العلماء إلى الكشف عن المجهول، وأغراهم بمتابعة البحث وراءه، حتى وصلوا إلى ما لم يكن يدركه الانسان بحواسه.. ولو لم يفترض العلماء، أو لم يؤمنوا بأن هناك أشيا وراء حواسهم، لما سعوا واجتهدوا وتعبوا.. أقصد من هذا كله: أن فكرة الإيمان بالغيب بقطع النظر عن هذا الغيب ما هو، هي أصل من أصول الفطرة، وأصل أيضاً من أصول العلم، الذي يتشدق به هؤلاء..

استهواني حديث الشيخ عن الإيمان بالغيب، أي غيب، وعن أنه أمر ضروري في الحياة، لا يمكن أن يحدث تقدم إلا على أساس إيمان بغيب، يحلم الانسان به، ويعمل للوصول إليه، وتحويله إلى حقيقة واقعة، ويتجدد الإيمان بالغيب، وتتجدد أحلام الانسان في المستقبل. ويجري الانسان وراء هذا الغيب، وهذه الأحلام، وتظل هكذا مسيرته في الحياة؛ ليعمل ويتقدم.

استهواني هذا الحديث القصير، فانصرفت من مجلسه، وأخذت أفكر فيه، لأنه فعلاً يفتح طاقة جديدة للتفكير، هل ينكر هؤلاء الشيوعيون الغيب، الذي حدثنا الله عنه في كتبه السماوية وآخرها القرآن بحكم الصنعة، أي بحكم أنهم لا يؤمنون بدين، أو أنهم ينكرون الإيمان بكل غيب أي غيب، تمشياً مع مطقهم في إنكار الغيب الذي جاءت به الرسل؛ لحملتهم على الأديان؟

إنهم لو فرقوا بين غيب وغيب فآمنوا بهذا وكفروا بذاك، يكونون مهتوكي الأستار، مفضوحي الوجود، ولو كفروا بكل غيب وأنكروه، لأنه غيب صادموا بذلك كثيراً من واقع الحياة حتى حياتهم هم.

وشغلني هذا التفكير طويلاً، وأدخلني في دوامة فرأيت أن أعود للشيخ لأبدأ معه حديثاً حول هذا لعله يزيدني علماً، ويدخل على قلبي السكينة، وعند الشيخ دائماً أنتظر السكينة، السكينة في الحياة، التي تصيبنا باترجاج مخي من كثرة صدماتها، والسكينة في العلم..

وزرت الشيخ صباحاً في حجرته بالفندق العريق، الذي يظل شامخاً بعراقته على ساحة البرج.. فوجدته منكباً على الورق، فخجلت وترددت أن أقطع عليه تفكيره، وأحس بي.. فقال: تعال لقد انتهيت من كتابة ما أريد..

وبدأت حديثي معه أقص عليه ما شغلني منذ تركته بعد حديثه معي، فضحك كثيراً.. وقال: لا بأس.. فهذا هو ما شغلني أيضاً حتى أقلقني. وهأنت تراني الآن وأنا مستريح تماماً؛ لأنني انتهيت من كتابة ما كنت أريد، وصببت ما شغلني، وحال بيني وبين النوم على هذه الأوراق..

قال الشيخ:

إن هؤلاء الذين ينكرون الغيبيات من الشيوعيين، ليسوا وحدهم الذين ينكرونها ولكن الماديين جميعاً ينكرونها، باعتبار أن وسائلهم الحسية للمعرفة لا تدركها، وهم لا يؤمنون إلا بالوسائل الحسية، وبالتجارب العلمية، وهم لذلك يغلقون على أنفسهم النوافذ، ويتناقضون مع أنفسهم، بل مع الواقع أيضاً؛ ولو تجردوا من تعصبهم لماديتهم؛ لفتحوا النوافذ، وتمتعوا بهواء المعرفة، وتخلصوا من التناقض.. وحرروا علمهم من الخضوع لماديتهم، أو لمذهبهم المادي، الذي يتعصبون له.. وصاروا كغيرهم من العلماء المعتدلين، الذين يتقبلون الهواء الطيب من كل نافذة. ما لم يكن يدركه الانسان بحواسهز. ولو لم يفترض العلماء، أو لم يؤمنوا بأن هناك أشياء وراء حواسهم، لما سعوا واجتهدوا وتعبوا.. أقصد من هذا كله: أن فكرة الإيمان بالغيب بقطع النظر عما هو، هي أصل من أصول الفطرة، وأصل أيضاً من أصول العلم، الذي يتشدق به هؤلاء..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت