فهرس الكتاب

الصفحة 2155 من 9994

فقد تحدث كثير من العلماء باسم العلم أيضاً، بوجود وسائل للمعرفة غير هذه الحواس، وهي وسائل غير محسة، ولا تتوفر لكل انسان فكيف نقصر المعرفة إذن على حواسنا، المحدودة. ومن العجيب أن يغتر الانسان بحواسه، وبمختبراته، وهناك من الحيوانات ما يدرك بحواسه ما لا يدركه الانسان بهذه الحواس نفسها، والذي يطلع على خصائص الحيوانات، والطيور، يدرك الكثير من عجائب حواسها، مما لا يعهده الانسان من حواسه هو..

ثم إن الانسان نفسه بطاقته المحدودة، التي خلقه الله عليها، لا يتحمل إدراك كل والمحسوسات إلا لصعق، ولما استطاع الحياة، فيكون من حكمة الله إذن ـ حجب كثير من الموجودات عن حواسه، أو جعلها غائبة، أو غيبية عليه حتى يمكن مواصلة الحياة..

يقول البروفسور ب.كدريا فستف في كتابه"أصوات لا تسمع" (ويعتبر عدم حساسية الأذن البشرية للاهتزازات ذات الترددات المنخفضة من النعم العظيمة التي يتمتع بها الانسان، فهي تحول دون سماعه لضربات قلبه، ولولا ذلك لكان لضربات القلب ضجيج لا ينقطع) فلا يستطيع تحمل الحياة.. نسوق هذا لكي يشعر الانسان أن حجب الكثير من الحياة عنه هو من رحمة الله به، ولا ينبغي من خلال هذه الرحمة التي يجب شكرها أن يتطاول فينكرها كلية..

وهذا الذي ينكر الغيبيات ماذا لو كشف لكل انسان معرفة ما غاب عنه؟ بل ماذا لو عرف كل انسان ما في نفس كل انسان أمامه من الأمور الغيبية عليه؟ هل يمكنه أن يعيش؟

وهل عدم معرفة الانسان بما في نفس الانسان الذي أمامه يعني أنه لا يحمل في نفسه شيئاً؟

مبدأ إيمان الانسان بالغيب، أو بالأمور الغيبية مبدأ طبيعي، ولابد منه في حياة الانسان، وعدم إحاطة الانسان بهذه الأمور الغيبية بواسطة حواسه أو معاملته، رحمة من الله بالانسان وضرورة من ضرورات وجوده.

فهل ينكر الشيوعيون هذا؟ أعتقد أنهم لا يستطيعون.

وإذا كانوا يسلمون بمبدأ الإيمان بالغيبيات فلماذا يعمدون إلى مهاجمة ما جاء به الدين منها؟ ماذا يضر الحياة وسيرها لو آمن الانسان بوجود مخلوقات أخرى غيره تسمى الجن أو الملائكة؟ وماذا يعطل ذلك من سير الحياة العلمية أو العملية؟

وهل الذين فكروا ودبروا للوصول إلى القمر تخلوا أولاً عن إيمانهم بالله والملائكة والجن حتى أمكنهم أن يفعلوا ما فعلوا؟ أعتقد لا.. كما أعتقد أن كل واحد منهم مؤمن بالله وملائكته وبرسوله الذي يعتقد فيه.. فتمحك الشيوعيين بهذه المسائل إنما هو من قبيل التهريج على الشباب، وضعاف الإيمان باسم العلم.

وهم في هذا يعطون العلم مجالاً فوق طاقته. إذن العلم التجريبي لا يمكن أن يتناول إلا الأشياء، التي يمكن إجراء التجربة عليها.. وليست المخلوقات كلها من هذا النوع، الذي يخضع للتجربة الحسية، بل فيها وفيها. فيها الروحيات التي هي فوق طاقة العلم ومجاله.. ولا يمكن للانسان العاقل المتزن، أن ينكر أن هناك روحيات، وهي غير الأشياء المحسوسة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت