الأخوة في الله التي تنبني على الحب ، إذا أخذتكم إلى الوراء قليلا لأذكركم بحجم الهوة الرهيبة بين أخوتنا الآن وبين الأخوة التي أرسى دعائمها القرآن ورفع بنيانها العظيم محمد لرأينا أننا انحرفنا بعيدا بعيدا عن الأخوة الإيمانية العظيمة التي تنبني على الإيمان وعلى الحب في الله .
يكفي فقط أن أذكر بحديث واحد رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يقول: آخى رسول الله بيني وبين سعد بن الربيع الأنصاري حينما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة ، وحدث مهرجان الحب الذي لا نظير له في التاريخ ، ولن يتكرر أبدا مهرجان الحب التي امتزجت فيه القلوب والنفوس والأرواح وأقول: لا أقول تصافحت فيه الأيدي بالأيدي بل أقول: تصافحت فيه الأرواح بالأرواح والقلوب بالقلوب والنفوس بالنفوس بين المهاجرين والأنصار .
فعبد الرحمن بن عوف يقول: آخى رسول الله بيني وبين سعد بن الربيع الأنصاري فقال سعد بن الربيع لأخيه في الله: عبد الرحمن بن عوف يا عبد الرحمن إني أكثر الأنصار مالا ، وسأقسم مالي بيني وبينك شطرين ، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك لأطلقها حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها أستحلفكم بالله هل في لغة البشر ما يستطيع بليغ أديب ما يعبر به عن هذه الأخوة وعن هذا الحب ؟
إني أكثر الأنصار مالا ، وسأقسم مالي بيني وبينك شطرين ، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك لأطلقها حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك ، ولكن دلني على السوق ، فانطلق عبد الرحمن فباع واشترى ودخل على النبي بعد أياما قليلة وعليه أثر صفرة أي طيب فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم:"مهيم ؟"أي ماذا فعلت يا عبد الرحمن ، رأى النبي عليه أثر الطيب ، ففطن لأمره فقال:"مهيم ؟"قال تزوجت امرأة من الأنصار يا رسول الله قال:"وماذا سقت لها ؟"أي من صداق قال: سقت لها مقدار نواة من ذهب فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم:"أو لم ولو بشاة" (1)
الشاهد قول سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا ، وسأقسم مالي بيني وبينك شطرين ، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك لأطلقها حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها .
وقد يئن الآن كثير من الأخوة كما ذكرت من قبل ويقول: فأين من يعطي عطاء سعد بن الربيع ؟ والجواب: وأين من يتعفف عفة عبد الرحمن بن عوف ؟ لا تسل عن هذه وتنسى تلك فأنا أؤكد لك: ما عرض سعد بن الربيع ، أو ما ارتقى سعد بن الربيع وأمثاله إلى هذه الدرجة السابقة إلا يوم أن ارتقى إلى ذات الدرجات عبد الرحمن بن عوف وأمثاله .
جاء رجل ليسأل أحد السلف عن قوله تعالى: ( لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَة) (البقرة/273-274) فقال: أسألك عن قوله تعالى عن هؤلاء الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية أين هم ؟ فقال له: ذهبوا مع من لا يسألون الناس إلحافا ، فأين العفة ؟ نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الأخوة فيه في الله وأن يرزقنا الحب فيه إنه ولي ذلك والقادر عليه فوقوع التناكر وعدم المعرفة بين كثير من الناس كعلامة من العلامات التي ذكرها النبي ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد أن يعرف أحد .
ولذلك أربط هذه العلامة بالعلامة الثانية والثلاثين إلا وهي قول الصادق الأمين: أن تكون التحية والسلام للمعرفة فقط .. لا يسلم الرجل إلا على من يعرفه يقول النبي:"إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة" (1)
واقع لم لا تصلون على الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ؟
والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح كما قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى ، وهذا مشاهد في هذا الزمان ، كثير من الناس لا يسلمون إلا على من يعرفون وهذا خلاف السنة فقد حث النبي: تلقي السلام على إخوانك من المسلمين على من عرفت منهم وعلى من لم تعرف يقول:"لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم" (1)
أكتفي بهذا القدر لأواصل الحديث إن شاء الله تعالى عن بقية العلامات في اللقاء المقبل إن قدر الله لنا اللقاء والبقاء أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد .
(1) أخرجه أحمد في مسنده (1/408) .
(1) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات ، باب ما قيل في شهادة الزور (5/2654) ومسلم في الإيمان ، باب بيان الكبائر أكبرها (1/87) وأحمد في مسنده (5/36-38) .
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان ، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن (1/118) والترمذي في كتاب الفتن ، باب ما جاء ستكون فتن كقطع الليل المظلم (4/2195) وأحمد في مسنده (2/304)
(1) أخرجه البخاري في العلم ، باب رفع العلم وظهور الجهل (1/81) ومسلم في العلم ، باب رفع العلم وقبضه (4/9 علم) والترمذي في سننه (4/42205) وابن ماجة (2/4405) عن أنس .
(1) أخرجه الطبراني في الصغير (2/ص129) .
(1) أخرجه البخاري في الفتن ، باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور (13/7115) ومسلم في كتاب الفتن ، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل (4/157) وأحمد في مسنده (2/236،530)
(2) أخرجه مسلم في الفتن ، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل (4/54 فتن) وابن ماجة في الفتن ، باب شدة الزمان (2/4037) .
(1) أخرجه البخاري في الدعوات ، باب الدعاء بالموت والحياة (11/6351) ومسلم في كتاب الذكر والدعاء (4/2680) وأبو داود في الجنائز ، باب في كراهية تمني الموت (3/3109) والنسائي في الجنائز (4/1820) .
(1) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء ، باب تمني كراهة الموت (4/2682) .
(2) أخرجه البخاري في الإيمان ، باب من الدين الفرار من الفتن (1/19) وأبو داود في الفتن والملاحم باب ما يرخص فيه من البداوة في الفتنة (4/4267) وابن ماجة في الفتن ، باب العزلة (2/3980) .
(1) أخرجه البخاري في الإيمان ، باب من الدين الفرار من الفتن (1/19) وأبو داود في الفتن والملاحم باب ما يرخص فيه من البداوة في الفتنة (4/4267) وابن ماجة في الفتن ، باب العزلة (2/3980) .
(1) أخرجه أحمد في مسنده (5/389) وقال الهيثمي في"مجمعه" (7/329) : ورجاله رجال الصحيح .
(1) أخرجه البخاري في كتاب البيوع ، باب قوله تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) (4/2049) ومسلم في كتاب النكاح ، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن ، وخاتم حديد (2/1427)
(1) أخرجه أحمد في مسنده (1/406) والبزار في مسنده (7/329) وقال الهيثمي: رجال أحمد والبزار رجال الصحيح .
(1) أخرجه مسلم في الإيمان باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون (1/54) وأبو داود في الأدب ، باب في إفشاء السلام (4/5193) وابن ماجة في الأدب باب إفشاء السلام (2/3692) وأحمد في مسنده (2/391،477) .
إن الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وأحبابه، وأتباعه وعلى كل من أستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.