الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين،، أما بعد:
فإن الزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام, وهي قرينة الصلاة في مواضع كثيرة من كتاب الله -عز وجل-, وقد أجمع المسلمون على فرضيتها إجماعا قطعيا, فمن أنكر وجوبها مع علمه به فهو كافر خارج عن الإسلام, ومن بخل بها أو انتقص منها شيئا فهو من الظالمين المتعرضين للعقوبة والنكال.
ومن الأصناف التي تجب فيها الزكاة: الزروع والثمار، وسنأتي على بيان ذلك مفصلاً في الآتي:
الخارج من الأرض من الحبوب والثمار1؛ لقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} البقرة (267) . وقوله سبحانه: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} 2. الأنعام (141) . وأعظم حقوق المال الزكاة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فيما سقت السماء أو كان عَثَريا العُشْر، وفيما سُقِيَ بالنضح نصف العشر) 3. ولا تجب الزكاة فيه حتى يبلغ نصابا وهو خمسة أوْسق؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ليس في حَبٍّ ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق) 4 . والوَسَق ستون صاعا بصاع النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي تبلغ زنته بالبر الجيد ألفين وأربعين جراماً, أي: كيلوين وخمسيْ عُشر الكيلو, ولا زكاة فيما دونه5.
* وقد أجمع المسلمون على وجوبها في البر والشعير والتمر والزبيب, فتجب الزكاة في الحبوب كلها, كالحنطة, والشعير, والأرز, والدخن, وسائر الحبوب, قال عليه الصلاة والسلام: (ليس فيما دون خمسة أوسق من حبٍّ ولا تمر صدقة) . وقال عليه الصلاة والسلام: (فيما سقت السماء والعيون العشر) . رواه البخاري.
* وتجب الزكاة في الثمار كالتمر والزبيب ونحوهما من كل ما يكال ويدخر, ولا تجب الزكاة إلا فيما يبلغ النصاب, لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- يرفعه: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) رواه الجماعة.
والوسق ستون صاعاً بالصاع النبوي, الذي مقداره أربع حفنات, بكفي الرجل المعتدل الخلقة.
* ويشترط في زكاة الحبوب والثمار أن يكون النصاب مملوكا له وقت وجوب الزكاة, وهو بدو الصلاح في الثمر, واشتداد الحب في الزرع, فيشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار شرطان:
الأول: بلوغ النصاب على ما سبق بيانه.
الثاني: أن يكون مملوكاً له وقت وجوب الزكاة.
فلو ملك النصاب بعد ذلك, لم تجب عليه فيه زكاة, كما لو اشتراه, أو أخذه أجرة لحصاده, أو حصله باللقاط.
والقدر الواجب إخراجه في زكاة الحبوب والثمار, يختلف باختلاف وسيلة السقي.
• فإذا سقي بلا مؤنة من السيول والسيوح وما شرب بعروقه كالبعل, يجب فيه العشر, لما في"الصحيح"من حديث ابن عمر: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر) . ولمسلم عن جابر: (فيما سقت الأنهار والغيم العشر) .
• ويجب فيما سقي بمؤنة من الآبار وغيرها نصف العشر, لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: (وما سقي بالنضح نصف العشر) رواه البخاري, والنضح: السقي بالسواني. ولمسلم عن جابر: (وفيما سقي بالسانية نصف العشر) .
• ووقت وجوب الزكاة في الحبوب حين تشتد, وفي الثمر حينما يبدو صلاحه, بأن يحمر أو يصفر, فلو باعه بعد ذلك, وجبت زكاته عليه لا على المشتري. ويلزم إخراج الحب مصفى, أي: منقى من التبن والقشر, ويعتبر إخراج الثمر يابساً; لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بخرص العنب زبيبا, وتؤخذ زكاته زبيبا, كما تؤخذ زكاة النخل تمرا, ولا يسمى زبيبا وتمرا إلا اليابس.
• وتجب الزكاة في العسل إذا أخذه من ملكه أو من الموات, كرءوس الجبال, إذا بلغ ما أخذه نصابا, ونصاب العسل ثلاثون صاعا بالصاع النبوي, ومقدار ما يجب فيه هو العشر.
• وتجب الزكاة في المعدن؛ لقوله تعالى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} . والمعدن هو المكان الذي عدن فيه شيء من جواهر الأرض, فهو مستفاد من الأرض, فوجبت فيه الزكاة, كالحبوب والثمار, فإن كان المعدن ذهبا أو فضة, ففيه ربع العشر إذا بلغ نصابا فأكثر, وإن كان غيرهما كالكحل والزرنيخ والكبريت والملح والنفط, فيجب فيه ربع عشر قيمته إن بلغت قيمته نصابا فأكثر من الذهب والفضة.
• وتجب الزكاة في الركاز, وهو ما وجد مدفونا من أموال الكفار من أهل الجاهلية, سمي ركازا ; لأنه غيب في الأرض, كما تقول: ركزت الرمح, ويجب فيه الخمس في قليله وكثيره, لقوله صلى الله عليه وسلم: (وفي الركاز الخمس) متفق عليه.
• ويعرف كونه من أموال الكفار بوجود علامة الكفار عليه أو على بعضه, بأن يوجد عليه أسماء ملوكهم, أو عليه رسم صلبانهم, فإذا أخرج خمسه, فباقيه لواجده.
• وإن وجد على المال المدفون أو على بعضه علامة المسلمين, أو لم يجد عليه علامة أصلا, فحكمه حكم اللقطة.