أيها المؤمنون إن الله لا يتعاظم ذنباً أن يغفره بل من جوده وكرمه وإحسانه ورحمته أن يغفر للمستغفر الدقيق والجليل الصغير والكبير: ? إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ? (20) .
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا .
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي تتلاشى وتضمحل في واسع عفوه ومغفرته الخطايا والذنوب أحمده على حلمه وواسع جوده وكرمه وأشهد ألا إله إلا الله الجواد الكريم البر الرحيم وأشهد أن محمداً...أما بعد فاتقوا الله عباد الله وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ، اعلموا أيها الناس أن مما تحصل به مغفرة الغفور الرحيم الإحسان إلى الخلق ففي صحيح البخاري ومسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني. فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه أي بفمه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجراً ؟فقال صلى الله عليه وسلم: في كل كبد رطبة أجر ) ) (21) . فانظر إلى هذا كيف غفر الله له بسبب سقيه الكلب: ?وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ? وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: (( لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين ) ) (22) . فاجتهدوا عباد الله في الإحسان إلى الخلق ولا تحقرن من المعروف شيئاً:?مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً? (23) . ?إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ? (24) . وقال جل ذكره: ?إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً? (25) .
فهو الشكور فلن يضيِّع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان
فلا تبخلن يا عبد الله على نفسك بالصالحات فـ ?إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ? (26) ?وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ? (27) .
(1) الحشر: آية (18) .
(2) أخرجه: أحمد: (12576) ؛ والترمذي (2423) ؛ وابن ماجه (4251) ؛ والدارمي (2727 ) من طريق علي بن مسعدة الباهلي عن قتادة عن أنس. وفيه علي بن مسعدة الباهلي قال فيه البخاري: فيه نظر ووثقه أبو داود وقال ابن معين: لا بأس به.
(3) الأعراف: آية (16-17) .
(4) يوسف: آية (103) .
(5) الذاريات: آية (50) .
(6) النساء: آية ( 28) .
(7) النساء: آية (27) .
(8) غافر: آية ( 7) .
(9) النجم: آية (32) .
(10) الزمر: آية (53) .
(11) آل عمران: آية (133) .
(12) متفق عليه: البخاري (1077) ، مسلم (1261) .
(13) سورة: النور: آية (31) .
(14) الشورى: آية (25) .
(15) آل عمران: آية (135) .
(16) أخرجه: مسلم: (2577) من طريق أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(17) طه: آية (82) .
(18) هود: آية ( 114) .
(19) أخرجه: مسلم (2763) ؛ والترمذي (3112) ؛ وأبو داود (4468) من طريق إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبدالله.
(20) الزمر: آية ( 53) .
(21) متفق عليه: البخاري (2363) ؛ ومسلم (2244) من طريق سمي عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة.
(22) أخرجه: مسلم (1914) من طريق العمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.
(23) النساء: آية (147) .
(24) التوبة: آية (12) .
(25) الكهف: آية (30) .
(26) الشورى: آية (45) .
(27) الحجرات: آية (11) .
عبد المحسن بن محمد السميح
الرياض
جامع العزيزية مول
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-من فضائل شهر رمضان. 2- أسباب المغفرة في رمضان: بلوغ رمضان، الصيام، القيام، بلوغ الليلة الأخيرة منه، استغفار الملائكة للصائمين.
الخطبة الأولى
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل في السرّ والعلن.
أيها المسلمون، فقد أظلكم شهر رمضان المبارك، شهر الصيام، شهر القيام، شهر القرآن، شهر الخيرات، شهر البركات، شهر النَّفَحَات، شهر كريم محفوف بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، يقول الله الحقّ تبارك وتعالى آمرًا عباده المؤمنين بالصيام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] ، روى الإمام أحمد والنّسائي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله يُبشّر أصحابه يقول: (( قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تُفتح أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم ) ).
أيها المؤمنون، شهر هذه بعض صفاته وفضائله لحرِيّ بالمؤمن أن يغتنم أوقاته في طاعة الله جلّ في علاه، وأن يصرفها مُتعبّدًا لله تعالى بأنواع العبادات والطاعات، بالصيام والقيام وقراءة القرآن والدعاء والاستغفار والذكر تسبيحًا وتهليلاً وتحميدًا، وذلك طلبًا لرضا الله سبحانه وتعالى وحصولاً على مغفرته.
عباد الله، اعلموا أن أسباب المغفرة في شهر رمضان المبارك كثيرة وعديدة، ولكن خشية الإطالة أختصرها إلى ما يلي:
أوّلاً: إن أول سبب لمغفرة الذنوب في شهر رمضان المبارك بلوغ شهر رمضان، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي قال: (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مُكفّرات ما بينهن إذا اجتُنِبت الكبائر ) ). الله أكبر، ما أعظم هذا الفضل! أسباب مغفرة يومية بإقامة الصلوات الخمس، كيف لا وقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين بقوله: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23] ؟! كيف لا والرسول يقول: (( أرأيتم لو أنّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من دَرَنِه شيء؟ ) )قالوا: لا يبقى من دَرَنِه شيء، قال: (( فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا ) )متفق عليه؟! فهذا سبب لمغفرة الذنوب في شهر رمضان وغيره، ولكن بشرط وحيد ويسير على من يسّره الله عليه، ألا وهو اجتناب الكبائر. فهلاّ حافظنا على أداء الصلوات، واجتنبنا المنهيّات، وخاصّة الكبائر منها. ويؤيّد ذلك قول الرسول: (( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله ) )رواه مسلم.
ومن فضل الله تعالى أن جعل أسبابًا أسبوعية لمغفرة الذنوب بصلاة الجمعة، يقول الرسول: (( من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ) )رواه مسلم.
ومن فضل الله سبحانه وتعالى أن جعل أسبابًا سنويّة لمغفرة الذنوب ببلوغ شهر رمضان مع اجتناب الكبائر، فكم من رمضان يمرّ علينا، وكم من سنة تلو السنة تمرّ علينا ونحن غافلون عن استشعار هذه الفضائل العظيمة والنفحات الكريمة.