الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
أحاديث مشروحة, أمراض القلوب
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
الرياض
جامع الطريري
ملخص الخطبة
1-العدوى المنفية في الحديث. 2- المرض ينتقل بمشيئة الله وليس انتقاله بلازم. 3- عدم مخالطة المريض أخذ بالأسباب. 4- التشاؤم يذهبه المؤمن بالتوكل. 5- التشاؤم من الجاهلية. 6- فضل الدعاء والتقوى في رد سوء القضاء.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها المؤمنون بالله وبرسوله: اتقوا الله حق التقوى، عظموا الله جل وعلا حق التعظيم فإن الحياة الدنيا إنما هي زمنٌ لعمل الصالحات، فمن عمل صالحاً فله العقبى الحسنة برحمة الله وبفضله، ومن لم يتق الله فلن تجد له مخرجاً، ومن لم يتق الله فستكون له عاقبة الخسران.
عباد الله: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: (( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ) ) [1] يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث نفي ما كان يعتقده أهل الجاهلية من الاعتقادات الباطلة التي تؤثر في القلب وتضعف الظن الحسن، بل قد تزيل الظن الحسن بالله جل وعلا، وقد يكون معها نسبة الله جل وعلا إلى النقص، إما بنفي القدرة وإما بجعل شريك آخر معه في العبادة أو في التأثير فيقول عليه الصلاة والسلام للمؤمنين بالله جل وعلا حق الإيمان، للذين يعتقدون أن الله جل وعلا هو الذي بيده ملكوت كل شيء، يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ) )يعني بقوله: (( لا عدوى ) )يعني لا عدوى مؤثرة بطبعها لأن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن العدوى تؤثر بنفسها تأثيراً لا مرد له، وتأثيراً لا صارف له.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا عدوى ) )لا ينفي أصل وجود العدوى وهي انتقال المرض من المريض إلى الصحيح بسبب المخالطة بينهما، فإن الانتقال بسبب المخالطة حاصل ملاحظ مشهود، لكنه عليه الصلاة والسلام بقوله: (( لا عدوى ) )لا ينفي أصل وجودها، وإنما ينفي ما كان يعتقده أهل الجاهلية في العدوى، من أن الصحيح إذا خالط المريض عدي بالمرض لا محالة، ولا يقع ذلك في اعتقادهم بقضاء الله وبقدره، ويقولون: إن ذلك لابد أن يكون، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (( لا عدوى ) )يعني أن المرض لا ينتقل من المريض إلى الصحيح عند مخالطة الصحيح للمريض بنفسه، وإنما انتقاله وإصابة الصحيح بالمرض عند المخالطة إنما هو بقضاء الله وبقدره، وقد يكون الانتقال وقد لا يكون، فليس كل مرض معدٍ يجب أن ينتقل من المريض إلى الصحيح، بل إذا أذن الله بذلك انتقل، وإذا لم يأذن لم ينتقل، فهو واقع بقضاء الله وقدره، فالعدوى يعني بالمصاحبة والمخالطة من الصحيح للمريض سبب من الأسباب التي يحصل بها قضاء الله وقدر الله جل وعلا، وليست لازماً حتمياً كما كان يعتقد أهل الجاهلية، ولهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا يورد ممرضٌ على مصح، ولا يُورد ممرض على مصح ) ) [2] .
يعني أن الإبل المريضة لا تورد على الإبل الصحيحة، لأن الخلطة سبب لانتقال المرض من الإبل المريضة إلى الصحيحة، وهذا فيه إثبات لوجود العدوى، ولكنه إثبات لسبب، والسبب يتقى، لأنه قد يحصل منه المكروه كما أنه إذا باشر المرء أسباب الهلاك حصل له الهلاك بقدر الله وبقضائه، كما أنه إذا أكل حصل له الشبع، وإذا شرب حصل له الري، فذلك كله لأنها أسباب.
وقال عليه الصلاة والسلام: (( فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد ) ) [3] لأن المخالطة سبب لانتقال المرض من المجذوم إلى الصحيح، لهذا كان عليه الصلاة والسلام، لتثبيت هذا النفي من أن العدوى لا تنتقل بنفسها، وأن المرء يجب عليه ألا يباشر أسباب الهلاك، ويجب عليه أيضاً أن يتوكل على الله حق التوكل، وأن يعلم أن ما قدر الله وقضى لابد كائنٌ لا محالة.
لهذا كان عليه الصلاة والسلام مرةً يأكل مع مجذوم، فأدخل يده معه في الطعام ليبين للناس أن انتقال ذلك المرض ليس بأمر حتمي وإنما هو سبب، والذين يمضي المسببات بالأسباب هو الله جل وعلا، الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي يجير ولا يجار عليه، ثم قال عليه الصلاة والسلام بعد قوله: (( لا عدوى ولا طيرة ) )قال: (( ولا طيرة ) )لأن الطيرة أمرٌ كان يعتقده أهل الجاهلية بل ربما لم تسلم منه نفسٌ كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (ما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل) [4] قوله: (ما منا إلا) يعني ما منا إلا تخالط الطيرة قلبه، ولهذا نجد أن أكثر الناس ربما وقع في أنفسهم بعض ظن السوء وبعض التشاؤم إما بريح مقبلة وإما بسواه.
وإذا أراد بعضهم السفر ورأى شيئاً يكرهه ظن أنه سيصيبه هلاك لأنه أصابه نوع تطير، والمؤمن يجب عليه أن يتوكل على الله حق التوكل كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (ولكن الله يذهبُه بالتوكل) فالطيرة باطلة ولا أثر لما يجري في ملكوت الله على قدر الله وقضائه.