عبد العظيم بدوي الخلفي
ملخص المادة العلمية
1-عصمة الله تعالى لنبيه محمد ، وذكر بعض الوقائع التي تجلى فيها ذلك. 2- بيان أن رسول الله اتخذ الحرس أولاً فلما نزل عليه والله يعصمك من الناس صرفهم.
عن أبي هريرة: قال أبو جهل هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: واللآت والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفّرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله وهو يصلي - زعم - ليطأ على رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار، وهولا وأجنحة، فقال رسول الله: (( لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، فأنزل الله: كلا إن الإنسان ليطغى.. إلى قوله تعالى: كلا لا تطعه واسجد واقترب ) ).
في هذا الحديث معجزة من معجزاته ، وهي عصمة الله تعالى له من أعدائه، وهم الجم الغفير، والعدد الكثير، وهم على أتم حنق عليه، وأشد طلب لنفسه، وهو بينهم مسترسل قاهر، ولهم مخالط، ومكاثر، ترمقه أبصارهم شزرا، وترتد عنه أيديهم ذعرا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرا، حتى استكمل مدّته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليما لم يكلم في نفس ولا جسد، وما كان ذلك إلا بعصمة إلهية، وعده الله بها، فحققها له، حيث قال سبحانه: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس [المائدة:67] .
ولقد تجلّت عصمة الله تعالى لنبيه في وقائع متعددة، منها:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: تبت يدا أبي لهب وتب جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله جالس ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحّيت! لا تؤذيك بشيء. فقال: (( إنه سيحال بيني وبينها ) )، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك! فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنْية ما ينطق بالشعر ولا يتفوّه به. فقالت: إنك لمصدق، فلما ولّت قال أبو بكر: ما رأتك؟ قال: (( لا، ما زال ملك يسترني حتى ولّت ) ).
وحدث أن قريشا استغاثت بمعمر بن يزيد - وكان أشجع قومه، وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه وتطيع أمره - فقال لهم: إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه، وعندي عشرون ألف مدجّج، فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدر على حربي، وإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات، ففي مالي سعة. وكان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر، وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس، فلبس يوم وعده قريشا سلاحه، وظاهر بين درعين، فوافقهم بالحطيم، ورسول الله في الحجر يصلي وقد عرف ذلك فما التفت ولا تزعزع، ولا قصر في الصلاة.
فقيل له: هذا محمد ساجد، فأهوى إليه وقد سلّ سيفه، وأقبل نحوه، فلما دنا منه رمى بسيفه وعاد، فلما صار إلى ربا الصفا عثر في درعه فسقط، فقام وقد أدمي وجهه بالحجارة يعدو كأشد العدو حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلف، فاجتمعوا وغسلوا عن وجهه الدم وقالوا: ماذا أصابك؟ قال: إني لما دنوت من محمد فأردت أن أهوي بسيفي إليه أهوى إلي من عند رأسه شجاعان أقرعان ينفخان بالنيران، وتلمح أبصارهم، فغدوت، فما كنت لأعود في شيء من مساءة محمد.
ولما أصرّت قريش على قتل رسول الله ، وأجمعوا أمرهم على أن يبيت أمام دار النبي أربعون شابا جلدا من شباب قريش، معهم السيوف فإذا خرج ضربوه ضربة رجل واحد، وأمره الله بالهجرة، فخرج من بينهم ليلا وأعمى الله أبصارهم فلم يشعروا به، فانطلق ومعه أبو بكر حتى دخلا الغار. ولما أصبحت قريش ورأت أن النبي قد فاتهم تتبعوا الآثار في الرمال حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه، فقال أبو بكر: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا! فقال: (( يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) )، وفي ذلك يقول الله تعالى: إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم [التوبة:40] .
وهكذا حفظ الله رسوله، وردّ الذين كفروا بغيظهم، ولكنهم لم ييأسوا، فجعلوا لمن يأتي برسول الله حيا أو ميتا مائة من الإبل، فخرج الفرسان يطلبون رسول الله ، وكان منهم سراقة بن مالك، فلما رآه أبو بكر قال: يا رسول الله هذا سراقة قد قرب، فقال رسول الله: (( اللهم اكفنا سراقة ) )، فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها، فقال سراقة: يا محمد! ادع الله أن يطلقني ولك علي أن أردّ من جاء يطلبك ولا أدل عليك، فقال رسول الله: (( اللهم إن كان صادقا فأطلق فرسه ) )فأطلقه الله، فرجع، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.