فهرس الكتاب

الصفحة 8658 من 9994

ثانياً: أنه سبحانه وتعالى فرض الجهاد على هذه الأمة للإبتلاء، ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون [الأنفال:37] ، ويبتلي الله عباده ليعلم الصادق في إيمانه من الكاذب والمؤمن من المنافق ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم [محمد:31] فالله قادر أن ينتصر منهم من غير قتال ولكن جعل الجهاد والدافع والمدافعة ليبلوا المؤمنين بالكافرين قال تعالى: ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض [محمد:4] ، وقال تعالى: وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين [آل عمران:141]

ثالثاً: إن من الحكم التي لأجلها فرض الله الجهاد وعلى المؤمنين أن يبين أنه لا يريد من عباده مجرد صلاة وصيام وقيام وذكر وتلاوة قرآن فقط، نعم هذه العبادات مطلوبة ولكن أن يقتصر الإنسان عليها، ثم ينكفئ على نفسه فيحشرها في زاوية من زوايا العبادة كفعل الدراويش والمتصوفة، تاركاً الأرض يعبث فيها الأعداء فلا يدفعهم ولا يجاهدهم ولا يأطرهم على الحق أطراً ولا يقصرهم عليها قصراً، فهذا الصنيع مما يأباه الله لعباده المؤمنين ولا يرضاه لهم أبداً.

(والذي ندركه نحن البشر من تلك الحكمة وليظهر لعقولنا ومداركنا من تجاربنا ومعارفنا أن الله سبحانه لم يرد أن يكون جملة دعوته وحماتها من التنابلة الكسالى، الذي يجلسون في إسترخاء ثم يتنزل عليهم نصره سهلاً هيناً بلا عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون الى الله بالدعاء، كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الإعتداء، نعم يجب أن يقيموا الصلاة وأن يرتلوا القرآن وأن يتوجهوا الى الله بالدعاء في السراء والضراء، ولكن هذه العبادة وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة والذخيرة التي يدخرونها للموقعة والسلام الذي يطمئنون اليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه ويزيدون عنه سلاح التقوى والإيمان والإتصال بالله) (4) ، إن المنهزمين نفسياً والراكضين اللاهثين خلف السلام المزعوم مع دولة اليهود غافلون عن سنة التدافع والمدافعة، فالإنهزامية التي تملأ نفوسهم سببها الذل الذي منيوا به نتيجة تركهم الجهاد في سبيل الله وما ترك قوم الجهاد الا ذلوا، وصدق رسول الله القائل: (( اذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه من قلوبكم حتى تراجعوا دينكم ) ) (5) ، فنحن قوم عزنا بالإسلام وبإقامة على الجهاد، شرف لنا وفخر لنا وكرامة لنا أن أقامنا الله مقام عذابه القدري ليكون هلاك الكافرين على أيدينا، فالمنهزمون نفسياً من باتوا يخافون حتى من ظلهم، فلا مقام لهم بيننا، فإن سنة الله الجارية في هذا الكون هي الإثخان بالكافرين وإظهار العداوة لهم وبغضهم ومقاتلتهم وذلك من أوثق عرى الإيمان يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم [المائدة:54] هذه هي سنة الله الجارية في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً [فاطر:43] .

(1) 1 - متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .

(2) 2 - متفق عليه .

(3) 3 - أخرجه النسائي (6:214) بإسناد صحيح.

(4) 3 - في ظلال القرآن 4:2425 - سيتعطب .

(5) 4 - أخرجه أبو داود بإسناد حسن عن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أيَّها المسلمون:

فيقولُ اللهُ تعالى في كتابه الكريم، (( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ) (البقرة: من الآية217) . والقرانُ الكريم من خلالِ هذهِ الآية الكريمة, يجليَّ الحقيقةَ بوضوح, ويُوضحها بجلاء, وهي أنَّ الكفارَ وأذناَبهم من المنافقين, لا يزالون يُشعلون فتيلَ المعركة, ويدقون ناقوس الخطر, مستميتين في صدَّ المسلمين عن دينهم, وجعلهِم أتباعاً أذلاءَ لمخططاتهِم ومؤامراتهم, ولا يزالُ أعداُء الإسلام, يقومونَ بتلك المهمةِ النجسة, بكلِ خُبثٍ ومكرٍ, وخديعةٍ, ولا يزالون يتَفانونَ في خدمةِ الشيطان, ومعبود همِ, و قائدِ هم, منظَّر خُططهِم وأهدافهِم , والذي أضَرمَ ناَر العداوةِ الأولى ضدَّ الأبوين الكريمين عليها السلام, ومنذُ ذلك الحين والأبالسةُ يتوارثون تلك العداوةَ كابراً عن كابر, غير متعظين َولا معتبرين بمصارعِ الظالمين, وهلاكِ المجرمين, الذي حكى القرانُ طرفاً من أخبارهم, وفضحَ دسائَسهم, وماَ تُخفي الصدور, ذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد .

هذا نوحٌ- عليه السلام- يصد عُ بدعوتهِ في وسَطِ قومهِ البائسين, الغارقينَ في تقديسِ أوثانهم , وتأليهِ أصنامِهم , باذلاً زهرةَ شبابه , وأينعَ أوقاته في استنقاذِ أولئك الجهلةِ والمخرفين , لكنَّ الملاءَ المستكبرينَ من قومه , الآخذين على أنفسهِم العهدَ في التضليلِ والإغواء, وتلبيسِ الحقِ بالباطل, وِخداعِ السُذجِ والدهماء, يقفونَ في وجهِ ذلك المصلحِ الكبير, والرسولِ المعلم, رافضينَ دعوتَه, ساخرين من رسالته, متهمينَهُ بالشعوذةِ والجنون, حائلينَ بينه وبين مسؤوليةِ البلاغ, وتخليصِ الناسِ من زيفِ الباطل, وكذبِ الدجاجلة, متوعد ينَهُ بالرجمِ والقتل تارة , وبالطردِ والأبعادِ تارةً أخرى .

(( قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ) ) (الشعراء:116) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت