فهرس الكتاب

الصفحة 8937 من 9994

وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتبه /عبد العزيز بن ريس الريس

المشرف على موقع الإسلام العتيق

5 /11 /1420 هـ

(1) راجع مجموع الفتاوى (32/266 ) وفتح الباري (8/ 38 -39 ) وتفسير ابن كثير (1/591 )

عليك بآثار من سلف - الشيخ عبدالعزيز الريس

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى من يزورنا من المسلمين - سلمهم الله رب العالمين -

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد

فمن أعظم النعم وأجلها إتمام الدين كما قال تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) (المائدة: من الآية3) ، وقد مات رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم والدين تام من كل نقص صافٍ من كل شائبة ، وما إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وأجلب الشيطان بخيله ورجله وحبائله لتشويه الدين وتبديل ما استطاع منه فوقف أعلم الخلق وأورعهم وأتقاهم بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام حراساً يذودون عن حياض الدين والسنة كاشفين كل شبهة رادين كل بدعة مبصرين الناس بكل خديعة من خدائع الشيطان ، وخلفهم علماء التابعين السائرون على طريقتهم وإن كانوا أقل منهم ، وخلفهم من بعدهم وإن كانوا أقل وهكذا ... فما إن تذهب الأيام إلا وتكثر البدع ويزداد تهافت الناس عليها بأسماء حسنة اغتر بها أكثر الخلق دون العلماء المتمسكين بما عليه الأمر الأول العتيق . وهذا مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم:"فإنه من يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بها وَعَضُّوا عليها بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فإن كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"لذا نادى الناصحون بالرجوع إلى الدين الأول الدين العتيق ، قال ابن مسعود - كما عند عبدالرزاق - ومعاذ بن جبل - كما في ذم الكلام وأهله: عليكم بالأمر العتيق . دون هذه المحدثات من إسلام اليوم المحدث ، فإن الخير كل الخير في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإن زخرف بما يظهره حسناً قال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول

آثار العمل بالعلم

آثار العمل بالعلم

للعمل بالعلم فوائد عظيمة، وآثار حميدة، يجنيها طالب العلم في الدنيا والآخرة، ويحسها كل من عمل بعلمه. وتنعدم هذه الآثار، إذا لم يستطع العالم أن يوافق بين علمه وسلوكه، ولعظم هذه الآثار، رأينا كيف شدد الإسلام في عقوبة من لا يعمل بعلمه فيأمر بالمعروف ولا يأتيه وينهى عن المنكر ويفعله.

ولم أقف على هذه الآثار مجتمعة، وإنما اجتهدت في استنباطها من النصوص على قدر فهمي لها وإدراكي لمعناها. فمن هذه الآثار:

1)حصول الرفعة في الدنيا والآخرة. قال - تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. وقال - r:"إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين".

ولا ريب أن هذه الرفعة والمكانة لا تكون إلا لأهل العلم العاملين به، وكيف تكون لمن لا يعمل بعلمه وهو مذموم شرعاً وعقلاً؟

قال الشوكاني:"يرفع الله الذين آمنوا منكم"في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيها"والذين أوتوا العلم درجات"أي ويرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات عالية في الكرامة في الدنيا والثواب في الآخرة. ومعنى الآية: أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن درجات، ويرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات. فمن جمع بين الإيمان والعلم رفعه الله بإيمانه درجات ثم رفعه بعلمه درجات..) ( [1] )

2)الذي يعمل بعلمه لا يضل في حياته. ولا يشقى في آخرته. وكيف يضل وقد تمسك بالوحي الذي جعله الله - تعالى - هداية لجميع الناس، وكيف يشقى وقد عمل بعلمه فأعد رصيداً من العمل الصالح المؤسس على علم نافع؟ أعده لذلك اليوم العظيم؟ قال الله - تعالى: فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى . .{ [طه: 123] .

وقد تكفل الله - تعالى - لمن حفظ عهده أن يحييه حياة طيبة، ويجزيه أجره موفراً في الآخرة. فقال تعالى من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 97] .

والجمهور على أن الحياة الطيبة في الدنيا وذلك بالعمل الصالح والعافية والرزق الحلال، وانشراح الصدر وهدوء البال. ومما يؤيد ذلك أن الله - جل وعلا - ذكر جزاءه في الآخرة في نهاية الآية. فلو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة حياته في الجنة - كما يقوله جماعة من السلف - لكان قوله تعالى: ولنجزينهم أجرهم . تكراراً أو توكيداً؛ لأن تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم، والتأسيس مقدم على التوكيد والله أعلم ( [2] ) .

وإذا كان هذا جزاء من عمل صالحاً فلا ريب أن العمل الصالح قائم على العلم النافع، فمن تمسك بالقرآن علماً وعملاً فله هذه الحياة الطيبة. والتي لا يلزم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال؛ لأن المال عنصر واحد من عناصر الحياة الطيبة يكفي منه القليل كما قال - r:"قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه" ( [3] ) .

وبضد ذلك من أعرض عن وحي الله فله المعيشة الضنك في الدنيا. عيشة تضيق بها نفسه، ولا يسعد بها ولو كانت واسعة. ويضيق عليه قبره ويشقى فيه طيلة حياة البرزخ، ويحشر يوم القيامة أعمى لا حجة له. ولا بصر يبصر به، وينسى في العذاب الأليم، ويترك كما ترك العمل بآيات الله. هذا جزاء من أعرض عن القرآن في الدنيا والآخرة، معذب في الدنيا معذب في البرزخ معذب في الآخرة. قال تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. [طه: 124- 127] ( [4] ) .

وأكثر المفسرين على أن هذه الآيات في الكافر، لكن من أعرض عن آيات الله فله حظ من الوعيد بحسب إعراضه استناداً إلى العموم الدال على الشمول والله أعلم.

3)الذي يعمل بعلمه حري بالنجاة يوم القيامة والإجابة السديدة على السؤال الذي سيوجه إليه قبل أن تزول قدماه من عند ربه (ماذا عملت فيما علمت) ؟ ولابد أن يُعد المسلم للسؤال جواباً، وأن يكون الجواب صواباً.

ويبدو لي أن الإجابة الصحيحة على هذا السؤال نجاح فيما عداه من الأسئلة الأخرى - إن شاء الله - لأن من عمل بعلمه وفقه الله للاستفادة من شبابه وعمره. وأن يجمع المال - إن كان ذا مال - من حله. وينفقه فيما يوافق شرع الله. هذا مقتضى العلم.

ولأهمية هذا الجانب ذكر الأجري - رحمه الله - في كتابه (أخلاق العلماء) فصلاً بعنوان"ذكر سؤال الله لأهل العلم عن علمهم: ماذا عملوا فيه"ثم أورد بعض الأحاديث والآثار الموقوفة في هذا الموضوع ثم قال: (من تدبر هذا أشفق من علمه أن يكون عليه لا له، فإذا أشفق مقت نفسه، وبان بأخلاقه الشريفة التي تقدم ذكرنا لها والله الموفق لنا ولكم إلى الرشاد من القول والعمل) ( [5] ) .

وقد أعطيت هذه الثمرة رقماً مستقلاً لورود النصوص الخاصة بها، وإلا فقد يقال: إنها داخلة في عموم نفي الشقاء في الدار الآخرة عمن عمل بما علم كما تقدم.

4)الذي يعمل بعلمه يسلم من العواقب السيئة والنتائج الوخيمة والأوصاف القبيحة التي تنتظر من لا يعمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت