وقد رتب الله - تعالى - هذه الأمور على الإعراض عن التذكرة بآيات الله.
ومعلوم أن من لم يتذكر لن يصدر منه عمل بما يعلم ولن يقيم لآيات الله - تعالى - وزناً؛ لأن العمل بالقرآن هو العمل بالعلم حقيقة.
فلا أحد من الناس أعظم ظلماً ممن ذكر ووعظ بآيات ربه وهي القرآن ثم تولى وصد عنها. ثم هو ينسى ما قدمت يداه من المعاصي والكفر، مع أن الله تعالى لم ينسه بل هو محصيه عليه ومجازيه. قال تعالى: ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه . . [الكهف: 57] .
ومن النتائج السيئة للإعراض جعل الأكنة على القلوب حتى لا تفقه الحق، وعدم الاهتداء أبداً كما قال تعالى مبيناً ما ينشأ عن الإعراض: إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً [الكهف: 57] .
ومن الأوصاف أن المعرض كالحمار قال تعالى: فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة{ [المدثر: 49] ( [6] ) .
إلى غير ذلك من الآيات التي اشتملت على بيان النتائج والأوصاف التي تلاحق المعرضين.
5)من عمل بعلمه أورثه الله علم ما لم يعلم ( [7] ) . وفتح بصيرته وأنار قلبه. قال - تعالى: والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم{ [محمد: 17] .
قال الشوكاني: (زادهم إيماناً وعلماً وبصيرة في الدين. أي: والذين اهتدوا إلى طريق الخير فآمنوا وعملوا بما أمرهم به زادهم إيماناً وعلماً وبصيرة في الدين( [8] ) . قال - تعالى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ولهديناهم صراطاً مستقيما{ [النساء: 66، 67، 68] .
وأما من لم يعمل بعلمه وأعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعاً لهواه. فإن ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح، وهو حري أن يسلبه الله ما علم، يقول - تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم{ [الصف: 5] .
قال ابن كثير: (أي فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان . . ) ( [9] ) .
6)العمل بالعلم من أقوى أسباب حفظه وبقائه، لتحوله إلى صورة عملية وواقع مشاهد، ولذا يستطيع كل واحد منا أن يكتب صفة الوضوء والصلاة والحج ونحو ذلك لأن هذا علم قد عمل به وتحول إلى سلوك واقعي فأصبح موصولاً بالذهن، مرتبطاً بالذاكرة، يستدعيه متى أراده.
يقول الشيخ عبد الرحمن الدوسري - رحمه الله: (فإن العمل هو الذي يجعل العلم راسخاً مستقراً في النفس، وذلك أن العلم يستحضره صاحبه في النفس مجملاً غير سالم من غموض أو إبهام. فإذا أبرزه بالعمل للوجود صار تفصيلياً جلياً واضحاً، وبكثرة التكرار للتلاوة ومداومة العمل يكون النظري منه بديهياً ضرورياً، فيثبت وحي الله بالقلب فلا ينسى، وأما مع هجران العمل به فإن صاحبه يصل به النسيان إلى حالة يساوي فيها من لا يعرفه بتاتاً والعياذ بالله) ( [10] ) .
وقد اهتم العلماء بموضوع حفظ العلم، والتحذير من نسيانه، وافردوا فيه المصنفات المستقلة ( [11] ) وذكروا الأسباب التي تعين على حفظ العلم ( [12] ) ولكن من أقوى وسائل حفظه العمل به، وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله - أن من أسباب حرمان العلم عدم العمل به، فهو يقول: (السادس: عدم العمل به فإن العمل به يوجب تذكره وتدبره ومراعاته والنظر فيه، فإذا أهمل العمل به نسيه. قال بعض السلف: كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به وقال بعض السلف أيضاً: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه حلّ وإلا ارتحل. فالعمل به من أعظم أسباب حفظه وثباته وترك العمل به إضاعة له، فما استدر العلم ولا استجلب بمثل العمل قال الله - تعالى:يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به{ [الحديد: 28] ( [13] ) .
7)العمل بالعلم يهيأ للعالم مكانة مرموقة، ونظرة حسنة. وبه يكون قدوة طيبة، يؤخذ كلامه، ويوثق بفتواه. وكلما ظهرت آثار العمل على العالم أحبه الناس وتعلقوا به ورغبوا فيه وهذا مشاهد.
ولكن إذا رأوا العالم وقد ظهرت عليه آثار الانحراف والمخالفة لما علم به، وقعوا في حيرة بين القول والفعل. وراحوا يفسرون هذا الانفصام بين العلم والسلوك تفسيرات شتى. ومن ثم لا يثقون بقوله، ولا يقيمون وزناً لشخصه، وإذا كان العالم مرموقاً منظوراً إليه ولا سيما في بلده كانت المسؤولية أعظم لأنه متبع ومقتدى به.
قال ابن مفلح في الفروع: (وليحذر العالم وليجتهد فإن ذنبه أشد، نقل المروذي عن الإمام أحمد - رحمه الله - قال:(العالم يقتدى به ليس العالم مثل الجاهل) . قال: وقال شيخنا - يعني ابن تيمية - رحمه الله (أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه فذنبه من جنس ذنب اليهود) ( [14] ) .
إن مخالفة تعاليم الدين ممن يقتدى به من أضر الأشياء على سنن الإسلام؛ لأن ذلك يؤدي إلى اقتداء العوام به فإنهم اتباع كل ناعق. والعالم إذا أظهر المعصية وإن صغرت سهل على الناس ارتكابها. لأن الجاهل يقول: لو كان هذا الفعل كما قال: من أنه ذنب لم يرتكبه. وإنما ارتكبه لأمر علمه دوننا ( [15] ) وواقعنا اليوم يشهد بذلك في صور متعددة.
فليحذر العالم مثل هذه المزالق العظيمة التي يبوء بإثمها وإثم من اتبعه فيها إلى يوم القيامة. وقد قال النبي - r:"من سن في الإسلام سنة سيئة يعمل بها من بعده، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ( [16] ) .
وقد يكون عدم العمل بالعلم وسيلة للصدّ عن دين الله تعالى. فإن العالم إذا لم يوافق بين علمه وسلوكه يقف حجر عثرة أمام الدخول في الإسلام والتمسك بأحكامه وأخلاقه، ولا سيما من يحسنون الظن بهذا العالم لأنهم يسمعون كلاماً جميلاً ولم يروا شخصه، فهم في أشد الشوق إليه، فإذا رأوه مقتوه وقالوا: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) ( [17] ) وربما كان ذلك ذريعة لسبّ الإسلام نفسه وتلك مصيبة.
(ومن هنا فالداعية بحاجة إلى تطبيق عملي لمبادئ الإسلام وأفكاره وسلوكه، لتكون حياته ترجماناً مبيناً لمنطوق الإسلام. وصورة كريمة لمعطياته) ( [18] ) وعليه أن يكون قوياً بإيمانه على شهوته، قوياً على المجتمع الذي يجره إلى الانحلال، وينأى به عن تطبيق عمله على نفسه وأسرته.
وإن المطابقة بين القول والعمل أمر عسير غير يسير إلا على من وفقه الله إنه يحتاج إلى صلة دائمة بالله تعالى وإخلاص، ثم رياضة وجهد ومحاولة واستعلاء على الرغبات والشهوات، ومن ترك العمل بما علم فقد استسلم لشهواته وانقاد لهواه وهو على خطر عظيم.
( [1] ) فتح القدير: (5/189) . ط: الحلبي.
( [2] ) انظر أضواء البيان للشنقيطي (3/352) وفي ظلال القرآن (5/279) وتفسير القرطبي (11/258) .
( [3] ) أخرجه مسلم (7/151) والترمذي (7/15) .
( [4] ) راجع كتب التفسير عند هذه الآيات تفسير ابن كثير (5/316) تفسير ابن عباس للدكتور عبد العزيز الحميدي (2/265) وما بعدها.
( [5] ) أخلاق العلماء ص87 وما بعدها. وكذا بوب ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص278.
( [6] ) انظر أضواء البيان (4/141) وما بعدها.
( [7] ) هذه العبارة يذكرها بعض الناس على أنها حديث. وهو موضوع في نظر الضعيفة للألباني (1/423) .
( [8] ) فتح القدير (5/35) .
( [9] ) تفسير ابن كثير (8/135) .
( [10] ) تفسير الدوسري (2/158) .
( [11] ) مثل كتاب (الحث على حفظ العلم) لابن الجوزي رحمه الله.
( [12] ) وبعض هذه الأسباب لا يخلو من نظر. راجع على سبيل المثال تعليم المتعلم للزرنوجي ص130.