إن الابتلاء بالسراء قد يكون أخطر من الابتلاء بالضراء ولذا يقول الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف: (ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر) وقال بعض الصالحين: (المؤمن يصبر على البلاء، ولا يصبر على العافية إلا صديق ) .
ذلك أن السراء تدغدغ المشاعر والنفوس أما الشدة فتسبب ردة فعل يكون معها غالبا النجاة بإذن الله .
وأما الأمر الثاني وهو المخالف للهوى فهو أقسام ثلاثة: صبر على طاعة وصبر عن معصية وصبر على المصائب والنائبات .
فالطاعة تحتاج إلى صبر لأن النفس بطبيعتها تنفر عن التكاليف والمشاق، وفي العبادة تكليف ومشقة فيصبر في تصحيح نيته وتخليصها من شوائب الشرك والرياء منذ بدء العبادة، ويصبر أثناء العبادة على مشاقها، والمعصية تحتاج إلى صبر عنها إذ يزينها للعبد هوى نفسه وشياطين الجن وقرناء السوء والمعصية هدم والهدم يسير والبناء صعب .
وليس معنى هذا أن الله يريد أن يعذب عباده لا إنما يريد بهم الخير من رفع درجة، أو حط خطيئة، أو صرف أذى أكبر. يقول تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون [البقرة:155] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من يرد الله به خيرا يصيب(4) منه )) (5) رواه البخاري. وعنه أيضا رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ) )رواه الترمذي (6) .
الخطبة الثانية
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا أما بعد:
فإن للصبر آدابا يحسن للعبد اتباعها ليحوز الجزاء الأعظم والثواب الأوفى فمنها:
الصبر عند الصدمة الأولى فلا يظهر تسخطا بقضاء الله وقدره ولا يتكلم بكلام ربما ذهب عنه أجر وجزاء وقوع هذه المصيبة والرسول يقول: (( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) ) (7) متفق عليه، ومن الآداب الاسترجاع عند المصيبة أي أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون [البقرة:156] .
فهو بهذا يتأدب بأدب القرآن .
ومن الآداب سكون الجوارح واللسان ، فأما البكاء فجائز فقد بكى الحبيب عند موت ابنه إبراهيم رضي الله عنه .
ومن آداب وفوائد الصبر أن يفكر في سبب مصيبته فلعلها وقعت بسبب معصية أو ذنب فضيق عليه في رزقه أو أصيب في أهله وولده أو أصابه الغم والحزن في نفسه ويتفكر أن في مصيبته هذه عدة نعم ينبغي أن يشكر الله عليها، فأولها أنها لم تكن في دينه. وثانيها أنها ربما رفعت ووقعما هو أكبر منها. وثالثها أنه إن صبر فقد فاز بمحبة الله وأجره الذي لا يعطى إلا لمن صبر، فعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي قال: (( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب(8) ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ))متفق عليه (9) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: يقول الله تعالى: (( ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ) ) (10) .
(1) البخاري كتاب الصوم باب فضل الصوم 2/226 ، مسلم كتاب الصيام باب فضل الصيام 8/32 .
(2) البخاري كتاب الزكاة: باب الاستعفاف عن المسألة 2/129 ، مسلم كتاب الزكاة: باب فضل التعفف والصبر والقناعة 7/145
(3) البطر: الطغيان عند النعمة وطول الغنى ؛ النهاية في غريب الحديث والأثر 1/135 .
(4) أي يبتليه بالمصائب ليثبته عليها النهاية في غريب الحديث والأثر 3/57 .
(5) البخاري كتاب المرضى والطب باب ما جاء في كفارة المرض 7/3 .
(6) سنن الترمذي كتاب الزهد باب ما جاء في الصبر على البلاء 4/602 .
(7) صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب زيارة القبور 2/79، مسلم كتاب الجنائز باب الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى 6/ 227 .
(8) الوصب: دوام الوجع واستمراره وقد يطلق على التعب وفتور البدن ، النهاية في غريب الحديث والأثر 5/190
(9) البخاري: كتاب المرضى والطب، باب ما جاء في كفارة المرض 7/2 ، مسلم كتاب الصبر والصلة باب ثواب المؤمن فيما يصيبه 16/130 .
(10) البخاري: كتاب الرقاق ، باب العمل الذي يبتغى به وجه الله 7/172 .
هاشم محمد علي المشهداني
الدوحة
الريان الكبير
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-معنى الصبر. 2- صور للصبر على المصائب. 3- ضرورة الصبر لحياتنا. 4- أنواع الصبر. 5- موقف المسلم من الصبر.
الخطبة الأولى
قال تعالى: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين [الأنعام:34] . جرت سنة الله تعالى أن الأنبياء ومن سار على دربهم هم أشد الناس بلاء، والصبر هو ملجأ الأنبياء وأصحاب البلاء في كل زمان ومكان.
فما الصبر؟ وهل نحن بحاجة إلى الصبر؟ وما أنواعه؟ وما موقفنا منه؟
أما الصبر: فهو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع، في عقولنا فنوقن بقصورها عن الإحاطة بحكمة الله عز وجل فيما قضى وقدر: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [البقرة:216] . وفي ألسنتنا فلا نتجاوز ما أخبر به الحق عن أوليائه عند المصيبة قولهم: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون [البقرة:156] . وفي الجوارح فلا تظهر التسخط للحديث: (( ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ) ) (1) [1] ). وللحديث: (( من ضرب فخذه - أي عند المصيبة- حبط أجره، والصبر عند الصدمة الأولى ) ) (2) [2] ).
وأما هل نحن بحاجة إلى الصبر ؟
1-فنعم ذلك لأن الدنيا دار بلاء وهموم وغموم تذيب القلب وتطحن البدن فيعقوب عليه السلام فقد بصره من كثرة بكائه لفقده يوسف عليه السلام فلم يجد غير الشكوى إلى الله والصبر ملجأ: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [يوسف:18] . سئل الإمام علي: (ما أشد جند الله عز وجل؟ فقال: الجبال، والحديد يقطع الجبال فالحديد أقوى والنار تذيب الحديد فالنار أقوى، والماء يطفئ النار فالماء أقوى، والسحاب يحمل الماء فالسحاب أقوى والريح يعبث بالسحاب فالريح أقوى والإنسان يتكفى الريح بثوبه ويده فالإنسان أقوى والنوم يغلب الإنسان فالنوم أقوى والهم يغلب النوم فالهم أقوى فأقوى جند الله عز وجل الهم) .
2-ونحن بحاجة إلى الصبر لأن مشيئة الله نافذة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومن أنت حتى تعترض على قضاء الله وأمره جاء في الحديث القدسي: (( عبدي أنت تريد وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد فإذا رضيت عما أريد كفيتك ما تريد وإن لم ترض بما أريد أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد ) ).
وأما أنواع الصبر: