فالإسلامُ أيَّها الناس: هو مورُثنا الحقيقي, لن تصلحَ أحوالنا, و لن تستقيمَ أوضاعنا, إلا بأحيائهِ في النفوسِ , وترجمتهِ في الواقعِ المحسوس, وتحكيمهِ في عظائمِ الأمور وصغائرها.
ولقد حاولَ أعداءُ الإسلام منذُ زمنٍ طويل, تشكيكُ الأمةِ في ميراثها الحقيقي, وثقافتها الأصيلة, ومنجزاتِها الباهرة, فتوالت سهامُهم في الحرب والمكيدة, وتتابعت أبواقُهم في التضليلِ والإغواء, و استمالَ بعضُ المتنكرين للإسلام و أهلهِ استمالت ذلك البعضِ النشاز, والمسخِ البغيض في محاولةٍ لصُنعِ ثقافةٍ جديدة للأمة, نسجت خاماتها, وفصلت أكمامها, في بلاد الكُفر والإلحاد, وكان لتلك الثقافةِ الغريبة الوافدة على أيدي أولئكَ المفتونين مقدمات, وأصولٍ تنضحُ بالكفرِ والنفاق, فمن مقدماتها المُخزية, إعلانُ البراءةِ من ميراثِ الأمةِ الحقيقي- كتابُ الله وسنةَ رسوله- عليه الصلاة والسلام- والكفرُ بهما, والسخريةُ من أهلهما, ومن مُقدمات تلك الثقافةِ الكافرة: قطعُ الصلةِ بالماضي, وإعلانُ الحربِ عليه, واعتبارهِ مرحلةً غير صالحةٍ للفخار, فضلاً عن محاولةِ التكرار,
ويعقبُ تلك المقدماتِ الإلحادية, أصولٍ كُفرية, و أفكارٍ جهنمية, تتلخصُ أوزارها في إعلانِ التبعية للغربِ الكافر, حذَّو القُذة بالقذة, حتى لو دخلوا حُجر ضبٍ لدخلوهُ، ناهيكَ عن محاولةِ استجلابِ الثقافةِ الغربيةِ بكلِّ سُمومها وشُرورها,وإصباغُ الأُمة بصبغتها, كبديلٍ لثقافةِ الإسلامِ التي كفروا بها.
واسمع لبعضِ أقوالهم, وناقلُ الكُفرِ ليس بكافر, يقولُ أحدُ شياطينهم: الحضارةُ الأوربيةِ حضارةٌ مطلقةٌ بمعنى - أنَّها قابلةً للتطبيقِ في كلِّ زمانٍ ومكان- بينما الحضاراتُ السابقة, تاريخيةً و نسبية, ويقولُ شيطانُ آخر: من المستحيلِ أن نُقبلَ على تقنياتِ الغرب وعلمه, و نرفضُ في الوقتِ نفسهِ فلسفاته وثقافته, ويقولُ آخر: لا يُمكنُ أن نتحررَ من الغرب, إلا إذا تحررنا من تراثنا ذاته.
هذه بعضُ مقولاتِ الكفرةِ المجرمين, سُودت بها مؤلفاتُهم, و شهدت بها ندواتهم واجتماعاتهم, وذلك إفكهم وما كانوا يفترون, وصدق اللهَ إذ يقول: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَر ْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) ) (الأنعام:112)
باركَ اللهُ لي ولكم بالقرآنِ العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم. واستغفرُ اللهَ لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمدُ لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةَ المسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,
أمَّا بعدُ:
أيَّها المسلمون: فخلاصةُ ما نُريدُ الوصولُ إليه ما يلي:
أولاً: الإيمانُ الجازمُ بأنَّ ميراثَ الأمة الحقيقي: هو القرآنُ و السنة, فيهما العصمةُ والنجاة, وفيهما سعادةُ الدنيا ونعيمُ الآخرة, وفيهما الحلُّ لجميعِ قضايانا ومعضلاتنا .
ثانياً: أنَّ الأمجادَ التي حققها أسلافُنا من الفتوحاتِ العظيمة, و الانتصارات الباهرة, و المؤلفات,والمصنفات, والصناعات, و الحضارات ما كانت لتحدث لو لا تمسك المسلمين بالإسلام دين الحق, و دين النور, و دين الجهاد, و دين العلم , و دين الحضارة, و دين المجد و القوة .
ثالثاً: إنه لا سبيلَ لاستعادةِ تلك الأمجاد, و تكرارُ تلك المفاخرِ إلاَّ بالعودةِ إلى الإسلام عقيدةً و شريعة, و منهج حياة .
رابعاً: إدراكُ خطورةِ الهجمةِ التي يشُنُّها أعداءُ الإسلام من المنافقين، للنيلِ من دينِ الأُمة وثوابتها, و أخلاقِها, و تارِيخِها .
خامساً: ضرورةَ إسكاتِ تلكَ الأصواتِ النشاز, و تطهيرُ المُجتمعاتِ من وبائها الفتَّاك وسُمِّها الزعاف .
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةٍ مضلة،
اللهمَّ زيِّنَا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هُداةً مُهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروفِ آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمامُ المتقين، وقائدُ الغُرِّ المحجلين، وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.
وأرضي اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهمَّ آمنَّا في الأوطانِ والدور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربِّك ربِّ العزةِ عما يصفون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-رواه أبو داود (4607) من حديث العرباض بن سارية t .
2-رواه الترمذي (2682) من حديث أبي الدر داء t .
3-رواه مسلم (2889) .
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ ] آل عمران:102 [. ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( ]النساء:1 [ .] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [ ] الأحزاب:70-71[ .
أما بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار