والجواب: إنّه منكر لا يتعلق بشخصه الكريم، وإلا لوسعه حلمه كما هو الحال في مواقف لا تُعد ولا تُحصى!.
لما استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى تبوك، تخلف كعب وصاحباه دون مبرر معقول، أو مسوغ مقبول، حتى إذا ما رجع رسول الله بالجيش إلى المدينة إذا به يتخذ موقفه الصلب، وإجراءه الصارم بحق الثلاثة الذين خلفوا، فيأمر بهجرهم، ويحرّم محادثتهم، ويفرض حولهم سياجاً منيعاً من العزلة!:
(... حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) . [سورة التوبة، الآية: 118] .
فلما كل هذا يارسول الله؟!.
لما كل هذا ؟!.
والجواب:
إنّ الخطأ الذي ارتكبه هؤلاء الثلاثة مسّ كيان الدولة برمتها، وكان يمكن أن يؤثر سلباً في نفسيات الجيش المتجه لمقارعة جيش يفوقه عدداً وعدة، وذلك أمر لا يخضع أبدا للأمزجة الشخصية أو للأهواء النفسية، أو التصرفات غير المسئولة!.
بارك الله لي ولكم في القرءان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويضر وينفع، ألا إلى الله تصير الأمور، أما بعد:
أيها المسلمون:
فقد لُعِنت الأمةُ الإسرائيلية في القرآن الكريم على لسان نبيين كريمين يوم عُطّل جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعمّ مجتمعهم الآسن منكرات الأهواء والأدواء:
(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) . [سورة المائدة، الآيات: 87- 79 ] .
ومجتمعات المسلمين اليوم بحاجة إلى مدافعة ما فيها من منكرات، ومقاومة ما عمّها من رذائل؛ صوناً لعقائد المسلمين، وذبّاً عن أعراضهم، وأخذاً على يد السفهاء الذين يريدون خرق السفينة، وعقر الناقة!.
وكلُّ ذلك على أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق ضوابطه الشرعية، وأن تؤتى البيوت من أبوابها، بعيداً عن التشنج والانفعال!.
ولا يتوهمنّ أحدٌ أنّ صلاحه في نفسه وأهله كافٍ في نجاته وسلامته عند حلول العذاب ونزول النقمة، ففي هذا الوهم تكون مزلة الأقدام وعثرة الكرام، فالجبار جل جلاله يقول في محكم تنزيله: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) . [سورة الأنفال، الآية: 25] .
وفي حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت:"... قلت يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث". [البخاري ومسلم] .
فمهلاً يا رعاك الله، فلن تنجو بصلاحك، وإنما تنجو بإصلاحك! واسمع قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) . [سورة الأعراف، الآية: 165] .
وحذارى - يرحمك الله - من التواكل والكسل، والتملص من الواجب اكتفاء بالنقد والتوجع، وندب الزمان البائس المنكود!.
فهذا عجز وخنوع، وإخلال بالأمانة وإقرار للمنكر شئنا أم أبينا.
وفقنا الله وإياكم لما يرضيه، وجنبنا أسباب سخطه.
اللّهمّ أصلح قلوبنا، وأعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنك جواد كريم، وبالإجابة جدير.
هذا وصلوا وسلموا على مَنْ أمرنا الله بالصلاة عليه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) .
الخطبة الأولى
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
أيها الناس:
اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا بدين الإسلام، ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون. واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون.
واحذروا مسالك الغافلين، ودروب الهالكين، واعتبروا بالفائزين، فالسعيد من وعظ بغيره: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) .
أيها المسلمون:
إنّ من الحقائق المؤلمة والفجائع المروِّعَة أن كثيراً من الناس اليوم طغت عليهم الماديات، وشغلهم العكوف على الملهيات والمحرمات، فراحوا يلهثون وراءَ حُطام الدنيا الفانية، فلم يتركوا لدينهم وعبادة ربهم وقتاً كافياً، بل صار الوقت كلُهُ مصروفاً لمتاع الدنيا وشهواتها المحرمة، فهي أكبر همهم، لها يغضبون، وعليها يحزنون، ومن أجلها يحبون ويبغضون، ويوالون ويعادون، فصدق عليهم ما قال الله عن الغافيلن: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) .
لقد سادت الغفلة عن ذكر الله، وتنوعت وسائلُ الصدِ عن سبيل الله، وتفنّن أعداء الإسلام في الأساليب الخبيثة والطرق الماكرة، التي يصرفون بها أهلَّ الإسلام عن دينهم وذكر ربهم وكتابه المجيد.
ونتيجة لهذه الغفلة والبعد عن الله سبحانه وت حوادث السحر والمسِّ، وعزَّ الكسب الحلال.
وأعظم من ذلك ما أُصيبت به القلوبُ من قسوةٍ وغفلةٍ،صراطه المستقيم وذكره الحكيم عوقب الناس بعقوباتٍ حسية وأخرى معنوية هي أكبر لو كانوا يعلمون، فتواردت عليهم الفتن وكثر والعيون من جفاف المدامع، لقد جفّت مدامع العيون من خشية الله، وذهب صفاء القلوب إلا من رحم الله.
وهذا مصداق قولِ ربنا جل وعلا: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) . ومصداق قوله سبحانه: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) .
أيها الناس:
لقد غَفَلَ كثير من المسلمين عن سعادتهم الحقيقة وحياتهم الطيبة التي تكمن في ذكر الله عز وجل واستغفاره وعبادتهِ والتوجه إليه، فبها تطمئن القلوب وتسعد النفوس: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) . وشغلوا أنفسهم بملهيات الحياة وضيعوا أعمارهم بالقيل والقال، وسيئ المقال.