ستجيبك تلك الأجيال الهزيلة، من ذوى الاهتمامات التافهة، والهوايات السخيفة، والتي لا تتعدى في مجموعها صقل الوجوه وتلميعها، وتصفيف الشعور وتسريحها ومتابعة الكرة والتصفيق لها!.
أيها المسلمون:
هذه بعض الثمرات المرّة في بعض ديار المسلمين، والتي برزت يوم عُطّلت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!.
فقد أصبح كل صاحب هوى حراً في فعل ما يشاء! في الوقت الذي يشاء، دون حسيب أو رقيب!
وأمام هذه الإسفاف، يتساءل المسلم الغيور: ماذا تراه يصنع أمام هذا الطوفان الجارف؟!.
أتراه يقف مكتوف اليدين، متمتماً بالحوقلة، ملقياً بالتبعة على غيره؟! ومردداً:
ذهب الذين يُعاشُ في أكنافهم ... وبقيتُ في خَلْفٍ كجِلْدِ الأجربِ
يتأكَّلُونَ مغالةً وخِيَانَةً ... ويُعابُ قائلُهم وإنْ لم يَشْغَبِ.
أم تراه سيجفل إلى أهله مردداً بينة وبين نفسه: أملك عليك لسانك، وابك على خطيئتك وليسعك بيتك؟!.
أيها الغيور على محارم الله:
إن الإجابة ستجدها في قوله جل جلاله: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ) . [سورة هود، الآية: 116] .
وستجدها في قوله عليه السلام:"والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله، أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".
أمّة الإسلام:
إن السبيل الوحيد للحفاظ على بيضة الأمة وتماسكها في عقائدها وأخلاقها وقيمها ومبادئها يكمن في إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق منهاج النبوة، دون أن تغرنا صولة الباطل وجولته وبريقه ولمعانه!.
فمتى تضافرت الجهود، وحسنت النوايا، وصدقت العزائم، انكمش الشر وانزوى، ثم تلاشى وانطفأ!
واقرأ إن شئت قوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) . [سورة الأنبياء، الآية: 18] . وقوله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) . [سورة الرعد، الآية: 17] .
أيها المسلمون:
كم يخطي البعض حين يلجأون إلى المقاييس المادية، ويعقدون المقارنات الحسية بين الباطل وكثرة سواده، وبين الحق وأهله الغرباء؟!.
فاللجأ إلى مثل هذه المقاييس خطأ فادح وغلط كبير؛ يشلّ الحركة، ويثبّط الهمم، ويفتر الحماس، ويبعثر الجهود، ويعطل مسيرة البناء، فالصراع بين الفضيلة والرذيلة لا يخضع أبداً لتلك المقاييس الأرضية ولا لتلك المعايير الحسية، وإلا لما ذاق المسلمون حلاوة النصر في بدر والقادسية وعين جالوت، وغيرها من الملاحم التي خاضها أسود الشرى ونمور الورى.
ولو كان الصراع يخضع لحساب العدد والعدة، لما خاض داعية غمار الدعوة إلى الله، ولما سابق مصلح في مضمار الذب عن دين الله.
هذا الإمام المجدد شيخ الإسلام قدس الله روحه، يرفع لواء السلفية في نجد وحيداً فريداً يوم كانت نجد بؤرة الإلحاد, ومستنقع الوثنية!
يوم كانت عبادة القبور، وتعظيم الأحجار والأشجار على قدم وساق!!
لقد رفع هذا الإمام البطل لواء دعوته، وجاهد تلك النماذج من البشر غير هيّاب ولا وجل! ووقف راسخ القدمين إمام إعصار الفساد المدمر، مستعيناً بالله، متوكلاً عليه حتى قيض الله له من يسانده ويقف معه في خندق واحد، حتى تحققت المعجزة، وتجسد الحلم حقيقة فوق ارض الواقع!.
نعم، زهق الباطل، وعادت نجد دوحة الإسلام ومعقل التوحيد، ولمثل هذا فليعمل العاملون.
هذا أنموذج واحد وغيره كثير!.
إذاً فالصراع بين الحق والباطل، وبين الفضيلة والرذيلة! ليس بخاضع أبداً إلى حسابات من نوع: (1 + 1 = 2) وإنما يخضع لمثل قوله تعالى: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) . [سورة آل عمران، الآية: 120] .
ولمثل قوله: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ) . [سورة البقرة، الآية: 249] .
ولمثل قوله جل جلاله: (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ * وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) . [سورة الزخرف، الآيات: 55- 58] . وغيرها من الآيات الواضحات البينات، التي تؤكد أن العاقبة للتقوى، وأنّ المستقبل للإسلام، وأنّ القوة لله جميعاً، وأنّ الله شديد العذاب.
أيها الأحبة في الله:
إنّ قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليست قضية خاضعة للبحث والمناقشة، وليست خاضعة لتبادل وجهات النظر: هل تكون أو لا تكون؟!.
إنها قضية محسومة سلفاً باعتبارها ركيزة من ركائز الدين وعموداً من أعمدة الإسلام، وما ذلك إلا لكون المنكر ليس مجرد مسألة شخصية تتعلق بشخص المنكر، أو بشخصية المنكر عليه!
كلا، ولكن المسألة لها علاقة جدّ وثيقة بكيان الأمة كلها، فشيوع المخالفات الشرعية ضرب للأمة في الصميم، وتمزيق لوحدتها دون شك أو تردد، وحديث السفينة المشهور شاهد حيّ بأن اثر المنكر يتجاوز خير صاحبه ليمتد بشؤمه وأثره البغيض، فيغمر المجتمع كله بظلاله القاتمة السوداء.
فحين تتخرّق السفينة فلن يميز الطوفان الجارف بين من خرقها ومن لم يخرقها، فالجميع سيُدفن تحت أمواجه العاتية!.
لقد ظل أنس - رضي الله عنه - يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين كما حدث هو بنفسه، فلم يقل له يوما ما لشيء فعله لم فعلته ؟! أو لشئ لم يفعله هلا فعلته!؟
يالله العجب! عشر سنين من التجاور والتعايش والتلاصق المباشر، ورغم ذلك لم يحصل العتاب أو الإنكار ولا لمرة واحدة فهل كان انس معصوماً بحيث لا يخطئ أو يفعل خلاف الأولى على أقل تقدير؟!
كلا، كلا فأنس لم يكن معصوماً، بل كان يخطئ، وقد يصنع أحيانا ما لا يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضرورة، لكنه لم يسمع عتاباً ولا إنكاراً، لأن المسألة شخصية بحته، فهي تتعلق فقط بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس لها مساس بمستقبل الأمة وكيانها! فالتسامح فيها مطلوب، وغض الطرف لمثلها مندوب!.
لكن إليك - يا رعاك الله - مواقف أخرى يحمرُّ فيها وجه رسول الله غضباً حين تقع المخالفة الشرعية ويجترئ البعض على حدود الله، فهنا يبادر عليه السلام إلى إنكار المنكر في ساعاته الأولى، دون أن يصبر عشر سنين صبره على أنس خادمه؟!.
هذه بريرة أمة ضعيفة مسكينة، يعلن أسيادها عن رغبتهم في بيعها! فتتقدم عائشة لشرائها وعتقها، على أن يكون الولاء لها! فيأبى الأسياد، إلا أن يكون الولاء لهم، في تعدٍّ مكشوفٍ على شرع الله المطهر، ودينه المصون!.
فماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.
هل غض الطرف وابتسم في وجوه القوم، كابتسامته للإعرابي يوم جذب معطفه، فاحمر لجذبته جنبه الطاهر؟!.
لقد صعد المنبر، وخطب خطبة عصماء؛ أنكر المنكر بشجاعة، وصدع بكلمته المشهورة:
"ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وان كان مائة شرط، إنما الولاء لمن اعتق".
لما كل هذا الغضب يا رسول الله؟!.
لما كل هذه الغضب؟!.