فهرس الكتاب

الصفحة 9117 من 9994

واعلم أيضاً أن من أسباب الرياء والشرك عدم خشية القلب من عذاب القبر والنار وأهوال ما بعد الموت، فإنه كلما إزدادت معرفتك بذلك إزداد خوفك من ربك فأخلصت له عملك ومن أسباب الرياء والشرك أن تشعر باللذة والتنعم عندما يمدحك الناس، ولكنك إذا علمت قيمة هذا المدح والثناء مع ما أعده الله تعالى للمتقين في الجنة أدركت أنه لابد من صرف الأعمال كلها لله وحده، وأنك لاتبالي أرضي الناس عنك أم سخطوا، ومما يعينك أخي المسلم على الإخلاص والتخلص من الرياء تذكر الموت وقصر الأمل قال الله تعالى: كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور وعن ابن عمر قال: أخذ رسول الله بمنكبي فقال: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) )وكان إبن عمر يقول: اذا أمسيت فلا تنتظر الصباح واذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك.

معرفتك أخي المسلم بقيمة الدنيا وعدم بقائها خير معين لك على الإخلاص والبعد عن الرياء، وحسبك في ذلك قول ربك: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً ، مثل الحياة الدنيا في زوالها وفنائها كمثل هذا الهشيم الذي نثرته الرياح يسير وسهولة فاتقوا الله عباد الله وراقبوا أنفسكم وأعمالكم، وتفقدوا نواياكم، اجتهدوا في إخلاصها لله تعالى فما جاهد أحدكم شيئاً أشد عليه من نيته نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المخلصين.

مكائد إبليس: الرياء

محمد بو سنه

عين النعجة

مبارك الميلي

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-الإخلاص شرط في جميع العبادات. 2- معنى الإخلاص. 3- فضل الإخلاص. 4- آفة الرياء. 5- كيفية القضاء على الرياء. 6- أمثلة للرياء. 7- محاسبة النفس. 8- من فوائد الإخلاص.

الخطبة الأولى

اعلم وفّقني الله وإياك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن إخلاص العمل لله وحده لا شريك له شُرط في قبول جميع أنواع الطاعات، فالإخلاص ضد الشرك، الإخلاص أن تريد بطاعتك التقرب إلى الله دون أي شيء آخر من تصنّع لمخلوق أو اكتساب مال أو محمدة أو جاه أو محبة أو مدح من مخلوق.

الإخلاص أن تكون حركتك وسكونك في سرك وعلانيتك لله وحده كما قال جل وعلا: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وقال سبحانه: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء وقال تعالى: فادعوا الله مخلصين له الدين، وقال جل شأنه: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً.

وعن أبي هريرة قال قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: (( من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه ) ).

وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله: (( من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة ) )قيل: وما إخلاصها قال: (( أن تحجزه عن محارم الله ) )وفي رواية: (( أن تمنعه عمّا حرم الله ) ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت لها أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش، ما اجتنبت الكبائر ) ).

وعن أنس بن مالك عن رسول الله قال: (( من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له وأقام الصلاة وآتى الزكاة فارقها والله عنه راضٍ ) ).

وعن أبي الدرداء عن النبي قال: (( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما ابتغي به وجه الله ) ).

إذا فهمتم عباد الله أهمية الإخلاص في العمل، فاعلموا أن عدوّكم الشيطان يسعى جاهداً أن يدخل عليكم من هذا الباب ليشوش على إخلاصكم، فتبطل بذلك أعمالكم، وإن من أظهر تلكم المشوشات على الإخلاص الرياء.

فالشيطان يدخل الآفة على المصلي مهما كان مخلصاً في صلاته. إذا كان حوله أناس ينظرون إليه أو دخل عليه داخل وهو يصلي فيقول له الشيطان: حسّن صلاتك وزد فيها حتى ينظروا إليك بعين الاحترام والتعظيم والصلاح. فتخشع جوارحك وتحسن صلاتك لا لأجل الله، ولكن من أجلهم، وهذا هو الرياء الظاهر.

وحتى تسدّ عليه هذا الباب وتقطع عليه هذه الآفة ينبغي أن تجعل صلاتك في خلوتك مثل صلاتك أمام الناس وتستحي من ربك أن تخشع نفسك عند مشاهدة الناس خشوعاً زائداً على عادته.

فالإخلاص أن تكون صلاتك عند الناس مثل صلاتك منفرداً وهذه الآفات قلّ من يتنبه لها فلا يسلم من الشيطان إلا من دقق النظر وسَعِد بحفظ الله وتوفيقه وهدايته.

وإلا فالشيطان ملازم للمجتهدين في عبادة الله والإخلاص له، لا يغفل عنهم لحظة من اللحظات حتى يحملهم على الرياء في كل حركة إن قدر على ذلك.

ولا يسلم من شرّه وغروره وحيله، ومكره وخداعه إلا العالم البصير بدقائق آفات الأعمال حتى يخلّصها منها.

قال أبو الدرداء:"إن من فقه العبد أن يعلم نزعات الشيطان"أي يعلم متى يأتيه ومن أين يأتيه.

وصدق رحمه الله، إذا فقه العبد عن الله عز وجل أنه لا يقبل من العمل إلا ما خلص وصفا لوجهه الكريم دون خلقه، فإن نفسه وعدوّه إبليس لعنه الله يدعوانه إلى ما يحبط عمله خاف وحَذِر، فعلم حينئذ أن نزغة الشيطان تأتيه من قبل الرياء وغيره.

وقال الحسن البصري رحمه الله: لا يزال العبد بخير ما علم الذي يفسد عليه عمله، فليس للعبد غنىً عن معرفة ما أمرنا باجتنابه من الرياء وغيره، ولا سيما الرياء الذي وصفه رسول الله بأنه شرك خفي أخفى من دبيب النمل.

فالرياء عباد الله لا يكون إلا من رجل قصرٍ نظره وضعف إيمانه، فإنه هو الذي يتصور أن الناس إذا رأوه يصلي كثيراً أو رأوه يطيل الصلاة أو يصوم النوافل أو يحج ويعتمر دائماً أو يتصدق أو نحو ذلك من أفعال الخير، يتصور أنهم يحسنون به الظن ويعاملونه معاملة خاصة تتركه في دنياه مسروراً فرحاً.

وأما العاقل البعيد النظر الصادق في إيمانه فإنه يعلم علماً يقيناً أن الأمر كله دنيا وأخرى لله وحده لا شريك له، وأن العالم كلّه جنه وإنسه أعجز من أن يدفع أجلاً أو يكثر رزقاً أو يكشف ميبة، كما جاء فذلك في حديث ابن عباس قوله: (( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ) ).

فإذا كان الخلوق بهذا الضعف فلا يلتفت العبد بعمله له إلا إذا كان ضعيف الدين قاصر العقل.

روي عن ابن مسعود أنه سمع رجلاً يقول: قرأت البارحة سورة البقرة فقال: ذلك حظك منها. فاللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وهب لنا إخلاص التوكل عليك والاستغناء عن خلقك، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

عباد الله أخلصوا في أعمالكم كلها، لا فرق بين عمل وعمل، سواء أكنتم تعملون لله عز وجل أم كنتم تعملون لخلق الله، وسواء أكنتم بين الخلق أم كنتم في محل خفي لا يراكم فيه إلا الله. وسواء أكنتم في سراء وقت العمل أم في ضراء.

ذلك الإخلاص هو أن تعمل العمل الصالح لا تريد جزاءً عليه إلا من الله، يكون ذلك قصدك قبل العمل، وأثناء العمل، وبعد الفراغ منه، لا تذكره بلسانك إلا من باب التحدث بنعم الله، أو من باب أن يقتدي بك غافل متبع لهواه.

فعلى المسلم المخلص أن يحذر كل الحذر أن يُخلط عمله بشيء من أنواع الرياء مثل ما يفعله كثير من الناس، تراهم يخرجون زكاة أموالهم خوفاً من ذم الناس لهم بقولهم: هذا ما زكى ماله لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت