فهرس الكتاب

الصفحة 7735 من 9994

أي قضية يخدمها فيلم مثل هذا سوى إثارة كوامن الشر، في نفوس القصر والمراهقين، وتشجيعهم على ممارسات مشابهة يتحدوّن من خلالها رجال الأمن، ويثيرون الفوضى، ويحققون الزعامات الفارغة والبطولات التافهة؟!..

وكل ذلك على حساب المجتمع وأمنه واستقراره!!

ثم أي قضية يخدمها فيلم آخر يعرض الخمر والمخدر كوسيلة مريحة لطرد الهمّ من القلوب، وزحزحة الكآبة عن النفوس، ويصور المخدرات كأسرع وسيلة للثراء العريض، والملك الجامع، ويلقن دروساً في فنون تهريبه وتسويقه؟!.

هل المسلمون بحاجة للتخدير أكثر مما هم مخدرون؟!.

الم تُخدّر هذه الأمة قروناً طويلة، ألم تغب عن وعيها أزمنة مديدة، حتى استعبدها أعداؤها فأهانوا كرامتها، وصادروا حريتها، وخدشوا كبريائها، وأذاقوها من الذل كؤوساً، ومن الخزي دروساً؟!.

فيا لخيبة امة ضحكت من غبائها الأمم!.

أيها المسلمون:

لقد أساء الفيديو ألينا كثيراً، وأذاقنا مرارة العيش وذل المعصية وشؤمها، ودمر عقائد المسلمين وأخلاقهم، واستهدف قيمتهم وفضائلهم.

وإن شئت أن نتأكد فتأمل دور الأحداث وقد امتلأت عن آخرها بالأطفال والمراهقين ممن استمرأوا الفاحشة بأنواعها، وتفننوا في سرقة السيارات واقتحام البيوت، وتكوين العصابات المنظمة لترويع الآمنين وإخافة المسلمين!.

وإن شئت أن تتأكد ما للفيديو من الآثار المدمرة، والنتائج المرة فتأمل مشهد الشباب الهائم على وجهه في الشوارع جيئة وذهاباً، تتأجج الشهوة في صدروهم وتسري في دمائهم، يؤزّهم الشيطان إلى الفاحشة أزّاً، ويدفعهم إليها دفعاً، حتى إذا وجدوا فسحةً من وقت، وسعةً من زمن رأيتهم زرافات ووحداناً، وطوابير طويلة أمام أبواب الطائرات المغادرة إلى الخارج، حيث بائعات الهوى وباذلات الزنا!، وحيث تجاوز الحدود، وانتهاك السدود، وحيث يغرز الشيطان رايته، ويسخر من كثرة الهالكين، وجمهرة التائهين!.

وكل ذلك أثر من آثار الفيديو المدمر!.

اللهم أهد قومي، فإنهم لا يعلمون.

أخي المسلم:

وإذا رأيت شباباً يتراكم فوق بعضه في البيوت المهجورة والسراديب المظلمة، يتناول الحبوب المخدرة، والحشائش المهلكة، حتى غارت عيونهم، وهزلت أجسامهم، وكثر هذيانهم، وسال لعابهم، وارتعشت أطرافهم.

إذا رأيت ذلك كله أو بعضه فاعلم أن ذلك أثر من آثار الفيديو الذي ما يزال صانعوه ومروجوه وبائعوه يمدّون أسواق المسلمين بكل جديد من أفلام تعرض أنواع المخدرات، تُعرّف بأسمائها ومصادر وجودها، ثم تتبعه بطرق ترويجها وتهريبها، ثم كيفية تعاطيها وتناولها.

فحسبنا الله ونعم الوكيل!.

نسأل الله لنا ولجميع المسلمين العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويضر وينفع، إلا إلى الله تصير الأمور.

وأصلّي واسلّم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، وعلى آله وأصحابه والتابعين، أما بعد:

أيها المسلمون:

فإنّ ما ذُكر لا يساوي عشر معشار ما يعرضه الفيديو من فساد، وما يسببه من دمار وانحلال؟!.

فليس بمقدور أحد مهما أوتى من فصاحة وبلاغة أن يحيط بذلك الشر المدلهم، والسرطان المنتشر، فبلاد المسلمين مليئة بملايين الأشرطة التي تباع وتشترى، ينظر إليها الصغير والكبير، والمرأة والرجل، ولم تبق رذيلة إلا عرضوها، ولا فاحشة إلا صوروها، حتى الفاحشة الكبرى صوّروها وروجها بين الناس بمنتهى الحيل والأساليب، فعَّم بلاؤها وأفتتن بها الكثيرون، وتحركت الأجنّة الحرام في أرحام من غُرّر بهن من بنات المسلمين، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

أيها المسلمون:

إن السماح ببيع هذه الأشرطة حرام، وترويجها حرام، ومشاهدتها حرام، وإهدائها حرام، وهبتها حرام، وثمنها حرام، ونسخها حرام، وتأجير المحلات لبائعيها حرام، والعمل عندهم حرام.

ومن تأخر عن كفّ شرّها وهو قادر فهو مجرم آثم، مُتَوَعَدٌ بقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) . [سورة النور، الآية: 19] .

معاشر المسلمين:

علينا أن تتقي الله في أنفسنا، فنبادر إلى إخراج تلك الأشرطة والأجهزة الهدامة من بيوتنا صوناً لأنفسنا وبناتنا وأبنائنا، فإنّ العرض إذا هُتك دام عيبه، واستحال عِوضُه، فاعتبروا بمن حولكم ممن هُتِكت أعراضهم، وفشت أسرارهم، فإنّ الله يغار، وغيرته أن تُنتهك محارمه، واللبيب بالإشارة يفهم.

اللهم إنا نسألك التقى والعفاف والغنى، وان تجعلنا هداةً مهتدين.

اللهم أصلح لنا أزواجنا وذرياتنا، وهب لنا منهم قرّة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً.

الخطبةُ الأولى

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ الله من شرور النفس وسيء العمل، من هدى اللهُ فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم وأقتفى أثرهم على يوم الدين، أمّا بعد.

أيها الأخُ المباركُ:

هذه رسالةٌ كتبتُها بمدادِ الحبِّ، وسطرتُها وقد سكبتُ فيها من رُوحي لعلها تصلُ إلى روحكَ، لا بلْ تصلُ إلى سُويداء قلبكَ فتلامِسَ شغافهُ، كتبتُها وأنا أُسائِلُكَ أن تصحبني بعقلكَ الذي يمنعُ من ارتكابِ كلِّ قبيحٍ، بعيداً عن التشنجاتِ والمغالطاتِ والمهاتراتِ التي لا تغني من الحقِّ شيئاً.

إني أريُدك يا أُخي أن تأخذَ ما سأطرحُهُ عليكَ بكلِّ موضوعيةٍ، وبكلِّ إنصافٍ، بلا أيِّ انحيازٍ لرغباتِ النفسِ وشهواتِها، فالعدلُ مطلوبٌ، والإنصافُ واجبٌ، والظلمُ ظلماتُ يومَ القيامةِ.

أيها الأخُ المباركُ:

إن موضُوعي معكَ هُوَ ما تُفكِّرُ فيهِ الآنَ، وتبحثُ عن مكانٍ يُناسبكَ ويُلائمكَ أنتَ وأسرتَك، ورُبمَّا أعددتَ العُدَّةَ لهُ.

نعمْ، هو النزهةُ، والترفيهُ عن النفسِ.

إننا لا نعتبُ عليكَ بادئَ ذي بدءٍ أن تُفكِّرَ في هذا الموضُوع، فالنفسُ مجبولةٌ على ذلكَ، وهي فطرةُ اللهِ التي فطرَ الناسَ عليها، ولا نعتبُ عليكَ أن تأخُذَ أسرتَكَ وأولادَكَ في نزهةٍ بريةٍ، أو رحلةٍ خلويةٍ أو غيرها، وإنّ غيرَ ذلكَ يُعتبرُ مصادمةً للواقعِ.

ولذا عِندما لقيَ حنظلةُ رضي الله عنه أبا بكرٍ الصديق قالَ لهُ:"نافقَ حنظلةُ، قال أبو بكرٍ: سبحانَ اللهِ! ما تقول؟! قال قلتُ: نكونُ عندَ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلّم يذكرُنَا بالجنةِ والنارِ، حتى كأنَّا رأيُ عينٍ، فإذا خرجنَا من عندِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلّم عافسنا الأزَوَاجَ والأولادَ والضيعاتِ، فنسينا كثيراً، قال أبو بكرٍ: فواللهِ ؛ إنا لنلقى مِثلَ هذا، فانطلقتُ أنا وأبو بكرٍ حتى دخلنَا على رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلّم؛ قلتُ: نافقَ حنظلةُ يا رسولَ اللهِ! فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلّم: وما ذَاكَ؟! قلتُ: يا رسولَ اللهِ، نكونُ عندكَ؛ تذكِّرُنَا بالنارِ والجنةِ، حتى كأنَّا رأيُ عينٍ؛ فإذا خرجْنَا من عندِكَ، عَافَسْنَا الأزواجَ والأولادَ والضيعاتِ، فنسينَا كثيراً! فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلّم: والذِي نفسي بيدِهِ، إن لو تدُومُونَ على ما تكونونَ عنديِ في الذكرِ لصافحتكُمُ الملائكةُ على فُرُشكمْ وفي طرقكمْ، ولكنْ يا حنظلةُ، ساعةً وساعةً ـ ثلاثَ مراتٍ" (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت